السبت، 9 مارس 2013

الماركسيون والموقف من الدين بوجه عامّ، ومن الأصوليّة الإسلاميّة بوجهٍ خاصّ


الماركسيون والموقف من الدين بوجه عامّ، ومن الأصوليّة الإسلاميّة بوجهٍ خاصّ





*جلبير الأشقر     



.1يَجمع موقفُ الماركسيّة الكلاسيكيّة النظريّ ("الفلسفيّ") بشأن الدين ثلاثةَ أبعادٍ متكاملة، وردتْ بشكلٍ أوّليّ في مقدمة** كتاب ماركس الشابّ، نقد فلسفة الحقّ عند هيغل (1843-1844:(
 أول الأبعاد الثلاثة نقدٌ للدين بما هو عاملُ استلاب، حيث يعزو الإنسانُ إلى الذات الإلهيّة مسؤوليّةَ مصيرٍ لا دورَ لها فيه (إذ إنّ "الإنسان هو الذي يصنع الدينَ، وليس الدينُ هو الذي يصنع الإنسانَ"). وفضلاً عن ذلك، يُلزم الإنسانُ نفسَه باحترام فرائضَ ومحرَّماتٍ دينيّةٍ غالبًا ما تعوّق ازدهارَه؛ كما يَقبل بالخضوع لسلطاتٍ دينيّة تقوم شرعيّتُها على التوهّم بأنّ لها علاقةً مميّزةً بالشأن الإلهيّ أو على تخصّصها في دراسة التراث الدينيّ.
  وثاني تلك الأبعاد، نقدٌ للعقائد الاجتماعيّة والسياسيّة التي تحتويها الأديانُ، وهي مخلّفاتٌ إيديولوجيّةٌ لحقباتٍ تاريخيّةٍ بائدةٍ منذ قرون عديدة.
إنّ الدين "وعيٌ زائفٌ للعالم،" ويزداد زيفُه بقدر ما يتغيّر العالم. وبعد نشوء الأديان في مجتمعات سبقت الرأسماليّةَ، شهدتْ عمليّات تحديثٍ مع بزوغ الرأسماليّة، على غرار الإصلاح البروتستانتيّ في تاريخ المسيحيّة. لكنّه تحديث يبقى جزئيّاً ومحدودًا بالضرورة ما دام الدين يستند إلى "كتب مقدّسة" لا يجوز الحيدُ عن نصّها.

  لكنْ ثمّة بعدٌ ثالثٌ في الموقف الماركسيّ، ينضاف إلى البعدين الآنفين، هو "تفهّمٌ" (بالمعنى العميق للتفهّم، أي القدرة على الشعور بالمثل) لما قد يكون للإيمان الدينيّ من دورٍ نفسيّ لدى معذَّبي الأرض ومعذَّباتها: "إنّ التعاسة الدينيّة هي، في شطرٍ منها، تعبيرٌ عن التعاسة الواقعيّة؛ وهي، من جهةٍ أخرى، احتجاجٌ على التعاسة الواقعيّة. الدين زفرةُ الإنسان المسحوق، روحُ عالمٍ لا قلبَ له؛ كما أنّه روحُ الظروف الاجتماعيّة التي طُرد منها الروح. إنّه أفيونُ الشعب." تُفضي تلك الاعتباراتُ الثلاثة في نظر الماركسيّة الكلاسيكيّة إلى خلاصةٍ واحدةٍ ووحيدةٍ أعلنها ماركس الشابّ: "إنّ تخطّي [Aufhebung] الدين، من حيث هو سعادةٌ وهميّةٌ للشعب، هو المطالبة بسعادة الشعب الفعليّة. إنّ المطالبة بالتخلّي عن الأوهام حول وضعٍ ما، إنما هي المطالبة بالتخلّي عن وضعٍ يحتاج إلى أوهام. فنقدُ الدين هو بدايةُ نقد وادي الدموع الذي يؤلِّف الدينُ هالتَه العليا."

.2ومع ذلك، لم تَطرح الماركسيّةُ الكلاسيكيّةُ إلغاءَ الدين شرطًا مسبّقًا لا بدّ منه للتحرّر الاجتماعيّ (بل يمكن أن يُقرأ قولُ ماركس الشابّ على النحو الآتي: من أجل التمكّن من تجاوز الأوهام، لا بدّ أولاً من إنهاء "الوضع المحتاج إلى أوهام"). وفي جميع الأحوال، ليس المطلوبُ إزالةَ الدين، بل خلق شروط اضمحلاله (وقد نقول: على غرار ما ينبغي أن يكون مصيرُ الدولة بعد الثورة في النظريّة الماركسيّة). الأمر لا يتعلّق بتحريم "أفيون الشعب،" ولا يتعلّق البتّة بقمع مستهلكيه ومدمنيه. بل المطلوب هو إنهاء العلاقات المتميّزة التي يقيمها المتاجرون بأفيون الشعب مع السلطة السياسيّة، وذلك بقصد الحدّ من سطوته على العقول.

وللموقف الماركسيّ في هذا الصدد ثلاثة مستويات:

لم تدعُ الماركسيّة الكلاسيكيّة، أيْ ماركسيّة المؤسِّسين، إلى إدراج الإلحاد في برنامج الحركات الاجتماعيّة. لا بل سخر إنجلز، في نقده (عام 1873) لبرنامج أتباع بلانكي في صفوف المنفيّين إثر كومونة باريس، من ادّعائهم إلغاءَ الدين بمرسوم. وقد أكّدتْ تجاربُ القرن العشرين نفاذَ بصيرة إنجلز، وهو الذي حذّر من "أنّ ممارسة الاضطهاد هي أفضلُ وسيلةٍ لترسيخ معتقداتٍ غير مرغوبٍ فيها،" مضيفًا "أنّ الخدمة الوحيدة التي لا يزال بإمكاننا اليوم أن نسديها اللهَ هي ان نجعل من الإلحاد موضوعَ إيمانٍ قسريّ."

في المقابل، فإنّ العَلمانيّة (أيْ فصل الدين عن الدولة)، المرافقة تاريخيّاً للدعوة الجمهوريّة، هدفٌ لا غنى عنه ولا يتقادم، وقد سبق أنْ كان جزءًا من برنامج الديمقراطيّة البرجوازيّة الجذريّة. هذا ولا بدّ هنا أيضًا من تفادي الخلط بين الفصل والحظْر، وإنْ في مجال التعليم نفسه. فقد اقترح أنجلز، في تعليقه على برنامج الاشتراكيّة الديمقراطيّة الألمانيّة ـ نقد برنامج ايرفورت (1891) ـ الصيغةَ الآتية: "فصل كامل للكنيسة عن الدولة. ومعاملة الدولة لكلّ الطوائف الدينيّة بلا استثناء كما لو أنّها جمعيّاتٌ خاصّة. فتتوقّف الطوائفُ عن الحصول على أيّة إعانةٍ من المال العامّ، ويَبْطل لها أيُّ تأثيرٍ في المدارس العموميّة." ثم أضاف إنجلز التعليق الآتي بين قوسين: "بالطبع لا يمكن منعُها من أن تُنشئ بأموالها الخاصة مدارسَ تكون ملْكَها الخاصّ، وأن تلقِّن فيها سخافاتِها!"

وفي الوقت ذاته، يتعيّن على الحزب العمّاليّ أن يحارب تأثيرَ الدين في المجال الايديولوجيّ. وقد ابتهج أنجلز، في نصّ 1873، لكون غالبيّة المناضلين العمّال الاشتراكيين في ألمانيا قد اقتنعوا بالإلحاد. كما اقترح نشرَ الأدبيّات المادّيّة الفرنسيّة للقرن الثامن عشر بقصد إقناع أكبر عددٍ من الناس بالإلحاد ذاته.

أما ماركس فقد بيّن، في نقده لبرنامج غوتا لحزب العمّال الألمانيّ (1875(، أنّ الحريّة الخاصة في مجال الإيمان والعبادة يجب تحديدُها حصرًا في رفض تدخّل الدولة. وأوضح مبدأها على النحو الآتي: "يجب أن يتمكّن كلُّ فرد من إرضاء حاجاته الدينيّة والجسديّة من دون أن تتدخّل الشرطة في الأمر بأيّ صورة." وفي الآن ذاته، تأسّف على تفويت الحزب "فرصةَ التعبير عن اقتناعه بأنّ ’حريّة المعتقد‘ البرجوازيّة ليست أكثرَ من التسامح إزاء كافّة ضروب حريّة الاعتقاد الدينيّ الممكنة، فيما يسعى هو [أي حزب العمّال] إلى تحرير العقول من التوهّم الدينيّ."

.3لم تكن الماركسيّة الكلاسيكيّة تنظر إلى الدين سوى من زاوية علاقة المجتمعات الأوروبيّة بدياناتها التقليديّة السائدة. ونادرًا ما اهتمّت باضطهاد الأقليّات الدينيّة. وقد تجاهلتْ على الأخصّ تعرّض ديانات الشعوب المقهورة للاضطهاد من قِبل دول منتمية إلى ديانةٍ أخرى. وفي عصرنا المطبوع بمخلّفات الإرث الاستعماريّ وبنقل هذا الإرث إلى داخل الحواضر الإمبرياليّة ذاتها (على شكل "استعمار داخليّ،" طرافتُه أنّ المستعمَرين هم أنفسُهم "المهاجرون" هذه المرة)، يكتسي ذاك الوجه الأخير أهميّة كبرى.

في سياق تسود فيه العنصريّة، وهي لازمةٌ طبيعيّةٌ للإرث الاستعماريّ، فإنه ينبغي رفضُ كافّة ضروب قهر ديانات المضطهَدين والمضطهَدات، المستعمَرين سابقا، لا لكونها "أفضل وسيلة لترسيخ معتقدات غير مرغوب فيها" فحسب، بل أيضًا، وفي المقام الأول، لأنها تشكّل بعدًا من أبعاد الاضطهاد الإثنيّ أو العرقيّ، ولا يمكن السكوتُ عنها، تمامًا مثلما لا يمكن السكوتُ عن ضروب القهر والتمييز الأخرى، السياسيّة والقانونيّة والاقتصاديّة.

طبعًا، قد تبدو الطقوسُ الدينيّة لدى ضحايا الاستعمار غايةً في الرجعيّة في نظر سكان الحواضر الإمبرياليّة، الذين لولا تفوّقُهم المادّيّ والعلميّ لما قام الاستعمارُ بعينه. غير أنّ فرض نمط حياة هؤلاء على الشعوب المستعمَرة، ضدّ رغبتها، لن يَخدم قضيّة تحرّر تلك الشعوب على الإطلاق؛ ذلك أنّ جهنّمَ الاضطهادِ العنصريّ معبَّدٌ بالنوايا الحسنة "الحضاريّة"؛ ونعْلم كيف أصيبت الحركةُ العمّاليّة ذاتُها بعدوى الادّعاء الخيريّ والوهم الإحسانيّ في عصر الاستعمار.

تمّ ذلك بالرغم من أنّ أنجلز كان قد حذّر من ذلك المرض الاستعماريّ. ففي رسالة إلى كاوتسكي، بتاريخ 12 سبتمبر 1882، وصف سياسةَ التحرير التي رأى أنّ على البروليتاريا أن تنتهجها في السلطة وصفًا مفعمًا بالاحتراس الذي لا غنى عنه كي لا يتحوّل التحريرُ المزعومُ إلى اضطهادٍ مقنَّع:

"يجب أن تتكفّل البروليتاريا مؤقتا بالبلدان المخضعة، التي تقطنها شعوب أهلية، كالهند والجزائر، والمستعمرات الهولندية والبرتغالية والاسبانية، وتقود هذه البلدان إلى الاستقلال بأسرع ما يمكن. أما كيف ستتطور هذه العملية، فأمر يصعب تحديده. وقد تقوم الهند بثورة، لا بل إن ذلك محتمل جدا. و بما أن البروليتاريا وهي تتحرر لا يمكن أن تشن حربا استعمارية، سنضطر لترك ذلك يأخذ مجراه، ولن يخلو الأمر بالطبع من شتى أصناف التدمير، لكن أمورا من هذا القبيل إنما هي ملازمة لكل الثورات. وقد تجري السيرورة نفسها في أماكن أخرى ايضاً: مثلاً في الجزائر وفي مصر، وسيكون ذلك، بلا شك، الحل الأمثل بالنسبة لنا. وسيكون لدينا ما يكفي لنفعله في بلداننا. هذا وحالما يعاد تنظيم أوروبا و أمريكا، ستشكلان قوة من الضخامة و القدوة لدرجة أن الشعوب نصف المتحضرة ستحذو حذوهما من تلقاء نفسها، فالحاجات الاقتصادية وحدها كفيلة بدفعها إلى ذلك. أما مراحل التطور الاجتماعي و السياسي التي يجب أن تجتازها هذه البلدان حتى تحقق بدورها بنية اشتراكية، فلا يمكن اليوم بنظري أن نضع بشأن ذلك غير فرضيات لا طائل تحتها. أما الأمر الأكيد الوحيد فهو أن البروليتاريا الظافرة لا يمكن أن ترغم شعباً أجنبياً أياً كان على السعادة، بدون ان تنسف الظفر الذي حققته."

إنها لحقيقة بديهيّة، ومع ذلك فغالبًا ما جرى تجاهلُها: كلّ "سعادة" يتمّ فرضُها بالقوة تساوي اضطهادًا، ولن يرى فيها مَنْ يتعرّض لها غيرَ ذلك.

.4تُكثّف مسألةُ الحجاب الإسلاميّ كافّة المشاكل المطروحة أعلاه، وتتيح بسطَ الموقف الماركسيّ بكلّ جوانبه. ففي معظم البلدان حيث الإسلامُ دينُ الأغلبيّة، لا يزال الدينُ هو الشكل الرئيس للإيديولوجيا السائدة. وتُستعمل تأويلاتٌ رجعيّة للإسلام، نصّيّةٌ إلى هذا الحدّ أو ذاك، لإبقاء السكّان في حالةٍ من الخضوع والتخلّف الثقافيّ. كما يتعرّض النساءُ على أوسع نطاق، وبأعلى كثافةٍ، لاضطهادٍ تواصَلَ عبر القرون، وقد تمّ تغليفُه بشرعنةٍ دينيّة.

في سياقٍ كهذا، فإنّ النضال الإيديولوجيّ ضدّ استخدام الدين حجّةً للاستعباد إنّما هو أحدُ الأوجه ذات الأولويّة بين وجوه معركة التحرّر. وينبغي من ثمّ أن يشكّل فصلُ الدين عن الدولة أحدَ المطالب ذات الأولويّة بين مطالب حركة النضال من أجل التقدّم الاجتماعيّ. وينبغي على الديمقراطيين والتقدّميين أن يناضلوا من أجل حريّة الأفراد، رجالاً كانوا أو نساء، في الإيمان أو عدمه وفي ممارسة الدين أو عدم ممارسته. وفي الوقت ذاته، تظلّ المعركة من أجل تحرّر النساء معيارَ كلّ هويّة تحرّريّة، ومحكَّ كلّ ادّعاء تقدّميّ.

هذا ويتمثّل أحدُ الأوجه البديهيّة لحريّة النساء في حريّتهنّ الفرديّة في ارتداءِ ما يبتغين من زيّ. والحال أنّ الحجاب الإسلاميّ، عندما يكون مفروضًا على المرأة، يمثّل شكلاً من أشكال الاضطهاد الجنسيّ اليوميّ العديدة. وهو اضطهاد تتزايد حدّتُه بقدر ما تتزايد مساحةُ ما يتمّ حجبُه، إذ يزداد اضطهادُ النساء بروزًا كلّما ازداد إخفاؤهنّ. فالنضال ضدّ فرض التحجّب، مهما كانت أشكالُ الحجاب، لا ينفصل عن النضال ضدّ أوجه استعباد النساء الأخرى.

بيد أنّ النضال التحرّريّ، لو سعى إلى "تحرير" النساء قسرًا، ليس إزاء من يضطهدهنّ، بل إزاءهنّ أنفسهنّ، لفسَدَ بصورةٍ خطيرة. ذلك أنّ انتزاع اللباس الدينيّ ممّن ارتداه بمحض إرادته، أو ارتدته بمحض إرادتها ـ وإنِ اعتبرنا ارتداءه ضربًا من ضروب القمع الذاتي ـ إنّما هو فعلٌ اضطهاديّ، لا تحرير حقيقيّ. وعلاوةً على ذلك، فإنّ مآله الفشل كما توقّع إنجلز، عندما قال إنّ جعل الإلحاد إلزاميّاً إنما يخدم الإيمانَ بالله. والحال أنّ تطوّر تركيا الحاليّ، على غرار مصير الإسلام في الاتحاد السوفييتيّ سابقًا، يؤكّد على نحو بليغ عدمَ جدوى السعي إلى استئصال الدين أو الممارسات الدينيّة بواسطة الإكراه. "يجب أن يتمكن كلّ فرد،" رجل كان أو امرأة، "من إرضاء حاجاته الدينيّة و الجسديّة" ـ بما في ذلك احتجابُ النساء والتحاءُ الرجال ـ "من دون أن تتدخّل الشرطة في الأمر بأيّ صورة."

إنّ الدفاع عن هذه الحريّة الفرديّة الأوّليّة شرطٌ لا غنى عنه لخوض معركةٍ فعّالةٍ ضد الإملاءات الدينيّة. والحال أنّ حظر الحجاب يضفي المزيد من الشرعيّة على فرضه في نظر مَن يعتبرونه ركنًا من أركان الإيمان. فلا تُمْكن مواجهةُ الإكراه الدينيّ بصورةٍ مشروعةٍ وفعّالةٍ سوى بالتسلّح بمبدإ حريّة الاعتقاد والممارسة الدينيّة، الفرديّة حصرًا، سواء تجلّت الممارسةُ باللباس أو بغيره، ومع احترام الحكومات العلمانيّة لهذا المبدإ. وقد نصّ القرآنُ ذاته على أنْ "لا إكراه في الدين."

.5على غرار سائر الأصوليّات، سواء كانت مسيحيّة أو يهوديّة أو هندوسيّة أو غيرها، التي تسعى إلى فرض تأويلها المتشدّد للدين شرعةً للحياة، إنْ لم يكن نمطًا للحكم، تمثّل الأصوليّة الإسلاميّة خطرًا على التقدّم الاجتماعيّ وعلى النضال التحرّريّ. ومع الحرص على إقامة تمييز واضح وجليّ بين الدين بحدّ ذاته وتأويله الأصوليّ، وهو أشدّ التأويلات رجعيّةً على الإطلاق، لا بدّ من محاربة الأصوليّة الإسلاميّة إيديولوجيّاً وسياسيّاً في البلدان الإسلاميّة، كما في وسط الأقليّات الإسلاميّة في الغرب أو في أيّ مكانٍ آخر.

لكنّ ذلك ليس حجّةً من أجل حظر حكوميّ للحجاب الإسلاميّ. ذلك أنّ رهاب الإسلام أفضلُ حليف موضوعيّ للسلفيّة الإسلاميّة، والحال أنهما ينموان معًا. وكلّما بدا اليسار متّفقًا مع رهاب الإسلام السائد، نفّر عنه المسلمين المتديّنين ويسّر مهمّة الأصوليين الإسلاميين، الذين يظهرون بالتالي وكأنّهم وحدهم القادرون على التعبير عن احتجاج الناس المعنيّين على "التعاسة الواقعيّة."

بيد أنّ الأصوليّة الإسلاميّة ظاهرة شديدة التنوّع، ينبغي تكييفُ الموقف التكتيكيّ منها حسب الأوضاع العينيّة. فعندما يجري استغلالُ هذا النمط من البرنامج الاجتماعيّ من قبل سلطة اضطهاديّة وحلفائها بقصد إضفاء شرعيّةٍ على الاضطهاد الذي يمارسونه، كما هي حالُ أنظمة الاستبداد العديدة ذات الوجه الإسلاميّ، أو عندما يصبح هذا النوعُ من البرنامج سلاحًا سياسيّاً في يد قوًى رجعيّة تحارب سلطة تقدميّة، كما جرى في العالم العربيّ في الخمسينيّات والستينيّات لمّا كانت الأصوليّة الإسلاميّة رأسَ حربة المعارضة الرجعيّة للناصريّة ولمقلّديها ـ فإنّ الموقف اللائق الوحيد هو معاداة الأصوليين بلا هوادة. ويتغيّر الموقف عندما تنتشر الأصوليّة الإسلاميّة أداةً سياسيّة ـ إيديولوجيّة للنضال في سبيل قضيّة تقدّميّة موضوعيّاً، وهي أداة تشوّه القضية بالطبع، لكنّها تملأ فراغًا ناتجًا من هزيمة الحركات اليساريّة أو قصورها. تلك هي الحالُ في الأوضاع التي يحارب فيها الأصوليون الإسلاميون احتلالاً أجنبيّاً (أفغانستان، لبنان، فلسطين، العراق، الخ) أو اضطهادًا إثنيّاً أو عرقيّاً، كما هي الحال في الأوضاع التي يجسّدون فيها كرهًا شعبيّاً لنظام يمارس اضطهادًا سياسيّاً رجعيّاً. وتلك أيضًا حالُ الأصوليّة الإسلاميّة في الغرب، حيث غالبَا ما يكون ازدهارُها تعبيرًا عن تمرّد ضد المصير المفروض على السكّان المهاجرين.

إذن، على غرار الدين بوجه عامّ، يمكن أن تكون الأصوليّة الإسلاميّة "في شطر منها تعبيرًا عن التعاسة الواقعيّة، ومن جهة أخرى احتجاجًا على التعاسة الواقعيّة." الفارق أنه احتجاج نشِط: فليست الأصوليّة الإسلاميّة "أفيونًا" للشعب، بل هي بالأحرى "هيروين" لقسمٍ منه: "هيروين" مشتقّ من "الأفيون" الأصليّ، ومفعولُه انتشائيّ، في حين أن الأفيون مخدِّر. في كافّة الحالات المذكورة، لا بدّ من تكييف الموقف التكتيكيّ مع ظروف النضال ضدّ المضطهِد، العدوِّ المشترك. ومن دون التخلّي قطّ عن الكفاح الإيديولوجيّ ضدّ تأثير الأصوليّة الإسلاميّة الرجعيّ، فقد يكون من الضروري، أو ممّا لا مناص منه، الالتقاءُ مع الأصوليين الإسلاميين في معارك مشتركة ـ من التظاهر في الشارع حتى الكفاح المسلح، حسب الحالات.

.6بمقدور الأصوليين الإسلاميين أن يكونوا حلفاء موضوعيين وظرفيين في معركة محدّدة يخوضها ماركسيون، بيد أنه تحالفٌ غيرُ طبيعيّ تفرضه الظروف. والحقّ أنّ القواعد المطبّقة في تحالفاتٍ طبيعيّةٍ أكثر بكثير، كتلك التي جرت ممارستُها في النضال ضدّ القيصريّة في روسيا، تجب مراعاتُها هنا بصرامةٍ أشدّ.

وقد حدّد الماركسيون الروس تلك القواعد في مطلع القرن العشرين، ولخّصها بارفوس في تقديمه المصوغ في يناير 1905 لكرّاسة تروتسكي التي تحمل عنوان قبل 9 يناير، على النحو الآتي:

"تبسيطًا للموضوع، يمكن إتباعُ القواعد الآتية في حالة نضال مشترك مع حلفاء مؤقّتين: 1 ـ عدم خلط المنظمات، السير على حدة والضرب معًا. 2 ـ عدم التخلّي عن مطالبنا السياسيّة الخاصة بنا. 3 ـ عدم إخفاء اختلاف المصالح. 4 ـ مراقبة الحليف كما يُراقَب العدو. 5 ـ الاهتمام بالاستفادة من الوضع الناتج من النضال أكثر من الاهتمام بالحفاظ على الحليف." "إنّ بارفوس على ألف حقّ": هذا ما كتبه لينين في مقال نشرته جريدة فبيريود في ابريل 1905، مشدّدًا على "الشرط المطلق (الذي تمّ التذكيرُ به في الظرف المناسب) في عدم خلط المنظمات، وبالسير على حدة والضرب معا، وبعدم إخفاء تباين المصالح، وبمراقبة الحليف كأنه عدوّ، الخ."

وقد دافع تروتسكي عن المبادئ عينها بلا كلل. ففي مؤلَّفه، الأمميّة الثالثة بعد لينين (1928)، عند دخوله في السجال بصدد تحالفات الشيوعيين الصينيين مع حزب الكيومنتانغ البرجوازيّ ضدّ الإمبرياليّة، كتب ما يأتي، وهو ينطبق بامتياز على موضوعنا الراهن:

"من نافل القول إننا لا نستطيع أن نرفض مسبّقًا اتفاقاتٍ محدّدةً بصرامةٍ وعمليّةٍ صرفًا تخدم في كلّ حين هدفًا محصورًا تمامًا. على سبيل المثال، في حالاتٍ تقتضي اتفاقاتٍ مع شباب الكيومنتانغ الطلابيّ لتنظيم مسيرة مضادّة للإمبرياليّة، أو تقتضي الحصولَ على مساعدة من تجّار صينيين دعمًا لعمّالٍ مضربين في مقاطعة أجنبيّة، الخ. لا يمكن إطلاقًا استبعادُ مثل تلك الحالات في المستقبل، حتى في الصين. [...] إنّ "الشرط" الوحيد لأيّ اتفاقٍ مع البرجوازيّة، لأي اتفاق منفصل وعمليّ ومناسب لكلّ حالة معيّنة، إنما يقوم على عدم خلط المنظّمات أو الرايات، مباشرةً أو بصورةٍ غير مباشرة، ولو ليوم واحد أو لساعة واحدة؛ إنه يقوم على التمييز بين الأحمر والأزرق، وعدمِ الإيمان ولو للحظة واحدة بقدرة البرجوازيّة أو استعدادها لقيادة نضال حقيقيّ ضدّ الإمبرياليّة أو عدم عرقلة نضال العمال والفلاحين. [...] قلنا، منذ وقت طويل، إنّ اتفاقات محض عمليّة، اتفاقات لا تقيّدنا بأيّ شكل، ولا تخلق لنا أيّ التزام سياسيّ، يمكن إبرامُها حتى مع الشيطان، إنْ كانت مفيدةً في اللحظة المعيّنة. لكنّه يكون من العبث أن نطالب في الآن ذاته بأن يعتنق الشيطانُ المسيحيّة، وأن يستعمل قرونه [...] من أجل أعمال خير. فلو وضعنا مثل هذه الشروط لأصبحنا نتصرّف بالأساس كمحامين للشيطان..."

لندن

مجلة الآداب » عدد 7-9 /2011

ما هو الدياليكتيك؟


 ما هو الدياليكتيك؟
- الجدلية - 



سيلفيستر جافار 






بوجه عام، ينتاب الشخص، أول ما يصادف كلمة «دياليكتيك»، انطباع أن الأمر يتعلق بمفهوم معقد. إذ غالبا ما يستعمله أستاذ جامعي، أو مناضل متقدم في السن، وذلك لتفسير فكرة تبدو متناقضة، ومستعصية عن الفهم. على سبيل المثال «لا يمكن تغيير المجتمع عن طريق الانتخابات، ولكن على الثوريين المشاركة في الانتخابات... إنها مسألة دياليكتيكية!» أو « نناضل من أجل إقامة عالم بدون عنف، لكن يجب استعمال العنف لبلوغ ذلك... إنها مسألة دياليكتيكية
من المفهوم أيضا أن بقاء التفسير عند هذا الحد، سيجعل المناضل/ة الشاب يستنتج بسهولة أن الدياليكتيك مفهوم غامض يفيد في تبرير كل شيء وأي شيء...
وفي الواقع،الدياليكتيك طريقة تفكير، ومنهجية لفهم الواقع بقصد التمكن من استيعابه على نحو أقرب مما هو عليه فعلا. وهو، من حيث أسسه، بسيط للغاية، وكل فرد يفكر بشكل دياليكتيكي يوميا مرارا عدة دون تبين ذلك. ومن جهة أخرى غالبا ما يمكن كشف فكر غير دياليكتيكي في استدلالات وظيفتها تبرير نزعة المحافظة والحفاظ على النظام.
مبادئ
كل شيء في حركة. هذا طبعا صحيح عندما يقع حدث فجأة كتشييد بناية، وتأسيس نقابة، وشن إضراب. ولكن الأمر صحيح أيضا بالنسبة للأشياء التي تبدو جامدة. قال الفيلسوف الإغريقي هرقليطس «لا نسبح في نفس النهر مرتين». وفي الواقع يتدفق الماء باستمرار، وتتغير أشكال التيارات المائية الخ. وحتى منزل مضت عليه مائة سنة يشهد تغييرات، تبدلات على واجهته، وقد تتصدع عوارضه تدريجيا، إلى أن يتشقق جداره يوما ما، ثم ينهار. ما هو صحيح بالنسبة لنهر ينطبق بالأحرى على حزب سياسي (الذي يتغير أعضاؤه، وتتبدل أيضا توجهاته، ونشاطه) أو طبقة اجتماعية. وحتى منظمة عتيقة جدا وقائمة على عقائد جامدة مثل الكنيسة الكاثوليكية تتغير باستمرار، وتشهد صراعات خفية أحيانا، وأزمات مفتوحة أحيانا أخرى...
يبدو هذا، وقد قيل على هذا النحو، أمرا جليا. غير أنه غالبا ما ُيزعم في وسائل الإعلام والمدرسة والكتب، أن ثمة «مؤنث أبدي»، و«طبيعة بشرية»، الخ. وقد يكون حدث ما يخص بلدين موضوع تبرير ارتكازا على «الطابع القومي» لهؤلاء وأولئك، وغالبا بالاستشهاد بأمثلة تاريخية عريقة لكن منتقاة بعناية. وبما أن الإيديولوجيين الرجعيين مضطرون مع ذلك للاعتراف بوقوع أحداث، تراهم يرتدون إلى رؤية قوامها «تكرار أبدي» للأحداث: إن سيرورة الصراع الاجتماعي، والإضراب والثورة، يمكن أن تحدث، ولكن لا يمكنها أن تحصل سوى على طريقة واحدة. على سبيل المثال تصبح الستالينية نتيجة حتمية لكل ثورة بسبب «طبيعة الشيوعية»، ومن المستبعد مستقبلا أن تفضي ثورة إلى نتيجة مغايرة...
لا يتغير كل شيء وحسب، بل أيضا يتغير كل شيء تبعا لتفاعل عناصر مختلفة. ها هو النهر يغير مجراه من سنة إلى أخرى: لماذا؟ لأن النهر شهد فيضانا، وأن هذا الفيضان بدوره سبب انهيار حواجز، و هذا الانهيار بدوره غير هندسة المنطقة، ما أدى بالنهر إلى تغيير مساره.
شهدت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية ازدهارا في متم القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين. وردا على ذلك اعتمدت الطبقات المهيمنة استراتيجيات مبنية على تسويات واستقطاب قادة هذه الأحزاب. بلغت هذه الاستراتيجيات ذروتها مع إدماج هؤلاء القادة في مختلف «الاتحادات المقدسة» خلال الحرب العالمية الأولى. وغيرت هذه الاستراتيجيات بدورها طبيعة لهذه الأحزاب الداخلية، وطورت البيروقراطية فيها، الخ.
مثال آخر: تَكَّسر أنفي: لماذا؟ لأنني أهنت جاري، و هذا الأخير وجه لي لكمة مباشرة بيده اليمنى ردا على ذلك، والآن أنفي مكسر.
كما يمكن، بصدد كل مثال، تحليل التطور الجاري من وجهة نظر معاكسة: المنطقة التي تغيرت بفعل تفاعلها مع النهر، والطبقات الاجتماعية التي تغيرت بسبب تفاعلها مع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وجاري التي تغير مزاجه وأصيب في يده نتيجة مشاجرتنا.
هنا أيضا، يبدو كل ذلك جليا بما فيه الكفاية. ولكن غالبا ما يجري في التحليل تجاهل التفاعل مع العناصر الأخرى، فتاريخ الفن والتاريخ السياسي والاقتصادي لبلد ما يجري تدريسهما كمسألتين منفصلتين تماما، ويجري تحليل الثورة الروسية دون اعتبار السيرورة الثورية بالمجر أو بألمانيا أو عدوان الجيوش الأجنبية الأربعة عشر خلال الحرب الأهلية، وتعرض وسائل الإعلام الحركات الاجتماعية بمصر والكفاح من أجل تحرير فلسطين كعنصرين لا يتبادلان التأثير، الخ.
إن واقع تغير كل شيء باستمرار تبعا لتفاعل عناصر عديدة يعني من جهة أن كل شيء يتشكل بفعل ما يتناقض معه، ومن جهة أن كل شيء يضم في داخله بالذات تناقضات. وهذه التناقضات بالضبط هي التي تجبره على أن يكون في حركة دائمة. هكذا، جلي أن وعي الطبقة العاملة يتشكل بفعل مكانتها في المجتمع، و نتيجة الاستغلال والاضطهاد من قبل الطبقة المهيمنة –هذا التأثير يولد فيها تبنيا لأفكار الطبقة المهيمنة، أو أفكارا تتناقض معها.
بفعل هذا، يولد التعارض بين العمال والبرجوازية تعارضا بين العمال أنفسهم –على سبيل المثال بين المضربين وغير المضربين في أثناء حركة نضالية ما. ويمكن أيضا كشف هذا التناقض بين أجزاء مختلفة من وعي عامل فرد. وقد سمى الثوري الايطالي أنطونيو غرامشي هذه الظاهرة بـ«الوعي المتناقض» ورأى فيها مصدر النزعة الإصلاحية [1].
علم الحركة
يتيح لنا هذا المثال الأخير رؤية مدى فائدة فكر دياليكتيكي بالنسبة للمناضلين الثوريين: إذا كانت الإصلاحية معطى جامدا، وفكرة قد تأتي مباشرة من القادة الإصلاحيين ويقبلها العمال كتلة واحدة، فإن ثمة قليل من الأمل في إقناع معظم العمال الإصلاحيين –وبالتالي قليل من الأمل في اندلاع ثورة يوما ما. ولكن إذا جرى تحليل الإصلاحية بما هي النتيجة غير الثابتة لتأثيرات متناقضة، نفهم بيسر أن من الممكن تماما أن يختل التوازن الهش الخاص بهذه الإصلاحية، تبعا لوضع الصراع الطبقي و أنشطة المناضلين الثوريين. و إنه لنموذجي أن يحدث التغيير على نحو سريع جدا: يمكن لتجربة سلطة العمال الجماعية، وقمع الدولة، والصلة بالأفكار الثورية أن تتضافر وتساعد على التخلي عن الأفكار الإصلاحية التي كانت قائمة لعقود.
وكذا في النضال الثوري ذاته، يجب على التحليل الدقيق لاختلالات جهاز الدولة وتوتراته وللطبقة الحاكمة، أن يتيح في كل لحظة توجيه فعل نضالي يسرع ردود فعل متسلسلة تسير في الاتجاهات المأمولة: إضراب عام، شل جهاز القمع، تنامي ثقة العمال، تصدعات في صفوف الطبقة الحاكمة، وانضمام قسم من الجيش إلى صفوف الثورة، الخ. وكل حدث يطرح مشاكل جديدة، وفي الآن ذاته مخاطر جديدة وأسس تقدم جديد.
للقراءة
ننصح بنصين قصيرين وتعليميين: الأول لإنجلز، الفصل الثاني من كتابه الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية، والثاني من تأليف الفيلسوف الماركسي جورج بوليتزر، مقتبس من كتابه مبادئ أولية في الفلسفة، الفصل الثاني.



ترجمة : صحيفة المناضل/ة الإشتراكية المغربية

الجمعة، 8 مارس 2013

لماذا تندلع الثورات


لماذا تندلع الثورات ؟





بقلم الكاتب : إرنست ماندل
نشرت لأول مره في  جريدة لاغوش 10 يناير 1989



ما هي الثورة ؟
الثورة إطاحة جذرية، في ظرف وجيز، لـُبنى السلطة الاقتصادية  (أو) الاجتماعية، عبر الفعل العاصف لجماهير غفيرة. إنها أيضا تحول مباغت لجماهير الشعب من موضوع سلبي إلى هذا الحد أو ذاك إلى فاعل حاسم للحياة السياسية.

تندلع الثورة عندما تقرر تلك الجماهير إنهاء شروط حياة تبدو لها فوق طاقتها. إنها تعبر دوما والحالة هذه عن أزمة خطيرة بمجتمع ما. وتمد هذه الأزمة جذورها في أزمة بنى السيطرة. لكنها تعبر أيضا عن فقد الحاكمين الشرعية، ونفاد صبر قطاعات شعبية عريضة.

الثورة حتمية مع المدة- إنها قاطرات التقدم التاريخي الحقيقية- فالضبط يتعذر إنهاء سيطرة طبقية عن طريق إصلاحات. أقصى ما بوسع الإصلاحات أن تلطف تلك السيطرة لا أن تلغيها. لم تزل العبودية بإصلاحات. ولم ُتلغ ملكية النظام القديم المطلقة بإصلاحات. لم يكن لإلغائهما بد من ثورات.

كذلك يستحيل إلغاء النظام الرأسمالي- التبعية الأجرية لغالبية مواطنينا- شيئا فشيئا. لا يمكن لجماهير الأجراء ذوي الرواتب ان يظفروا شيئا فشيئا بولوج حر إلى وسائل الإنتاج والحياة. يستدعي بلوغ هذه الغاية إلغاء الملكية الخاصة للمصانع والبنوك. يلزم تمكين العمال المتشاركين بحرية من تخطيط الاقتصاد بقصد ضمان الاستخدام التام (انعدام بطالة) واستهلاك لائق للجميع، ذكورا إناثا، في منأى عن كل مفعول منافسة أو تقلب الأحوال الاقتصادية، وكذا خفض جذري لأسبوع العمل بما يتيح للجميع تسيير شؤونهم ذاتيا في الاقتصاد والدولة والمجتمع.

إن على من يعتبر الرأسمالية نظاما مؤذيا يطلق دوريا، رغم نجاحاته الأكيدة، كوارث متزايدة الخطورة، من حروب وأزمات اقتصادية، و فاشية، ومصائب بيئية، ومن يرى لزوم إلغاء ذلك الأذى لضمان رفاهية دائمة للجميع، ذكورا وإناثا، من اجل تفادي انتكاس البشرية إلى الهمجية، وحتى زوال مادي للنوع البشري، نقول عليه ان يتمنى الثورة ويعمل بأناة من اجل انتصارها. فما من وسيلة أخرى للتخلص من النظام الرأسمالي.

لكن الأمر ليس مسألة رغبة أو اختيار وحسب، ولا هو كذلك في المقام الأول. ليس الثوريون رومانسيين ولا دوغمائيين باعوا روحهم لمشروع سياسي متصور سلفا. تدل دراسة متنبهة للتاريخ ان الثورات وقائع أكيدة، و أنها تحدث على نحو دوري، باستقلال عن رغبة الثوريين أو عداء المناوئين للثورة. حدثت ثورات كثيرة منذ بداية العصر الحديث، في مطلع القرن السادس عشر. وقد اندلعت أولاها في مناطقنا. وما خلا حالة وحيدة تقريبا ( اليابان) نتجت كل الدول الهامة القائمة اليوم عن ثورة أو حتى ثورات عدة.

شهد القرن العشرون ما لا يقل عن ثلاثين ثورة، صحيح أنها ليست كلها ظافرة. وتجري ثورات حاليا ببلدين بأمريكا الوسطى، نكاراغوا والسالفادور. وتقف بلدان أخرى عديدة على شفير ثورة ( ما يسميه الماركسيون وضعا قبل ثوري).

لا يصح قول إن الثورات في الحقيقة عديمة الجدوى، وان التاريخ محكوم بقاعدة:”بقدر ما يتغير الوضع بقدر ما يبقى على حاله “. لقد غيرت ثورات القرنيين السابقين على نحو أساسي الوضع الاجتماعي والسياسي للبلد أو البلدان التي ظفرت بها. و أتاحت تقدما هائلا. وليس إنكار ذلك غير إنكار البداهة. وبالوسع قياسه ببساطة وجلاء: تنامي الإنتاج المادي، وارتفاع مستوى الحياة، وتنامي الثقافة، وتنامي الحريات السياسية وحقوق الإنسان.

صحيح ان هذا المكسب أدنى من آمال المشاركين في الثورات، ومن وعود قادتهم. لكنه مكسب حقيقي جدا بمقارنة الوضع بعد ترسخ المكاسب الثورية بما كان في ظل النظام القديم.

لما تندلع الثورات؟
يجزم أعداء الثورة بأنها ستكلف غاليا، وبان ثمنها من أرواح ومعاناة إنسانية ستكون بالغة الارتفاع. لا يستدل على هذا النحو غير الأعمى، أي من ينسى ( أو يتناسى) ما يسببه النظام القائم قبل الثورة من خسائر في الأرواح ومعاناة إنسانية.

لنتناول مثلا من القرن العشرين. يقوم العديد من الأيديولوجيين المعادين للثورة، حتى داخل الاشتراكية-الديمقراطية، بتجريم ما نتج عن الثورتين الروسية والصينية من خسائر، حتى دون تمييز ما سببت تلك الثورات ذاتها عما سببت الثورة المضادة. لكنهم لا “يحسبون” خسائر الحروب الإمبريالية والحروب الاستعمارية الناتجتين عن النظام الرأسمالي الذي يحبل، حسب قول جوريس، بالحرب كما السحابة الجشاء بالعاصفة. ُتعتبر ملايين القتلى تلك نتاج القدر، وحتى ” طبيعية”. وحدها الثورة ُتعتبر “لاإنسانية”.

ويواصل أعداء الثورة الاستدلال بزعم إمكان تحقيق نفس التقدم الذي أتته الثورة في آخر المطاف، بالسير بهدوء اكثر، عن طريق إصلاحات متتابعة، وبلا استعجال. هذا كما جاء في النشيد الجديد الذي استبدلت به الاشتراكية-الديمقراطية الالمانية النشيد الاممي: قطرة قطرة سنثقب الصخر( ربما عام 3000)؟

لكن، ببساطة، لا تندلع الثورات بحركة مصطنعة من ثوريين أشرار. إنها تندلع مثل قوى طبيعية حقيقية عندا تصبح التناقضات الاقتصادية، والاجتماعية و(أو) السياسية، منفلتة من تحكم أنصار السلطة القائمة. وللسبب ذاته تقف الثورة والثورة المضادة في غالب الأحيان وجها لوجه بفعل تلك التناقضات. ومن يرفضون مساندة الثورة و إنجاحها، يشجعون موضوعيا،أو يعززون بتبصر، الثورة المضادة.

و يدلنا تاريخ القرن العشرين مرة أخرى على مثال مؤسف على نحو خاص. اندلعت ثورة قوية بألمانيا في نوفمبر 1918. واستولى العمال بكافة المدن عمليا على السلطة، مطيحين البنى القديمة لإمبراطورية غيوم الثاني. وبمبرر”استتباب النظام” و” السير بشكل شرعي نحو التشريك” بواسطة انتخابات برلمانية، حافظ يمين الاشتراكية-الديمقراطية على بقايا الجيش الإمبراطوري. واستند عليها لنزع سلاح العمال وإلغاء سلطات المجالس العمالية بكلفة عشرات آلاف القتلى، هذا على سبيل الإشارة. وسمحت بإنشاء فرق غير نظامية قبل فاشية، كانت نواة لـ”فصيلة الاقتحام”SA (*) و”نسق الوقاية” SS (**). و هيأت على هذا النحو شروط الانتصار النهائي للثورة المضادة الدامية: استيلاء هيتلر على السلطة عام 1933.

كان من شأن ثورة اشتراكية ظافرة، عام 1918، أن تقي ألمانيا وأوربا من عشرات ملايين القتلى التي سببها النازيون والحرب العالمية الثانية، بكلفة بشرية أدنى بما لا يقاس. نحن ثوريون لأننا قبل كل شيء ندرك هذا الاختيار التاريخي.

نحن على اقتناع عميق ان النظام الرأسمالي دخل طور انحدار، وان ما يحقق، بين فينة وأخرى، من تقدم في الرفاهة المادية توازنه كلفة مدمرة متنامية. نحن على اقتناع ان هذا النظام ممزق بتناقضات متكاثرة ومنفلتة، وان الجماهير الواسعة تتمرد دوريا ضد هذا النظام في حركات قوية بوسعها فتح طريق التقدم في حال انتصارها، وان واجب الاشتراكيين هو تأمين هذا النصر بواسطة خط سياسي ملائم.إذا جرى تفويت الفرصة تعاظم خطر سقوط النظام الرأسمالي في كوارث أخطر مما شهدنا سابقا.

نكرر أن الثورات لا ” يستحدثها” أو “يطلقها” بشكل مصطنع ” متآمرون” أو ” مجموعات متمردة” ، وحتى” قادة أوركسترا متسترون”. الثورات تطلقها جماهير غفيرة في شروط “أزمة نظام”. نعيد إلى الأذهان صيغة لينين، تلك الحقيقة الجلية على ضوء الدراسة: ثمة وضع ثوري عندما يفقد من هم فوق قدرة الحكم بشكل عادي، وعندما يكف من هم تحت عن الخضوع للحكم كما من قبل.

ثورات اجتماعية وثورات سياسية
تنطبق هذه الملاحظات العامة على كل ثورات القرنين الأخيرين. لكن ثمة تمييز أول لا غنى عنه. قد يكون ما تكنسه الثورات من بنيات منخورة من طبيعة اقتصادية وسياسية في الآن ذاته، وقد يكون من طبيعة سياسية وحسب. يتعلق الأمر في الحالة الأولى بثورات اجتماعية، بينما في الحالة الثانية بثورات سياسية.

تطيح الثورات الاجتماعية سلطة طبقة اجتماعية وتستبدلها بسلطة طبقة أخرى. إنها تغير النظام الاقتصادي. وتستبدل نمط إنتاج يكبح اكثر فاكثر ازدهار قوى الإنتاج بنمط إنتاج أرقى( أو بالأقل بما لا غنى عنه لقدوم نمط الإنتاج الأرقى ذاك).

ُتبقي الثورات السياسية النظام الاقتصادي، أي نمط الإنتاج القائم. وتوطده حتى (بالأقل في اغلب الحالات). إنها إذن تستبدل سلطة قسم كبير من طبقة، أضحى كابحا للتطور التاريخي، بسلطة قسم أخر من الطبقة ذاتها.

على هذا النحو كانت الثورة الفرنسية لعام 1789 ثورة اجتماعية استبدلت سلطة الملكية المطلقة، والنبلاء وحليفها الفئة العليا من رجال الدين، بسلطة البرجوازية التي أتاحت ازدهار الرأسمالية الصناعية. وعلى العكس لم تكن الثورات الفرنسية سنوات 1830 و1848 ثورات اجتماعية بل ثورات سياسية. لم تأخذ أي طبقة جديدة مكان البرجوازية بعد ظفر تلك الثورات. لم يقم أي نظام اقتصادي مقام النظام الرأسمالي. لكن السلطة انتقلت داخل البرجوازية تباعا من البرجوازية المالكة للأراضي إلى برجوازية البنوك، ثم من هذه إلى البرجوازية الصناعية.

وبالموازاة ُترجع ثورات مضادة المجتمع من نظام اقتصادي أقامته الثورة إلى نظام اقتصادي سالف. كان ثمة منها قليل أو كثير في 200 سنة الاخيرة. ستكون إعادة الرأسمالية إلى الاتحاد السوفيتي أو الصين من قبيل هذه الثورة المضادة الاجتماعية. لم تحدث إعادة الرأسمالية تلك (لا نقول أنها لن تحدث أبدا. وقد حاول النازيون تحقيقها في الأراضي التي احتلوها أعوام 1941-1943).

تقوم الثورات المضادة السياسية بانتزاع السلطة من الأقسام الجذرية أكثر و التقدمية أكثر من الطبقة السائدة لتنقلها إلى أقسام محافظة أكثر. وقد تأتي بالكثير من التراجعات، لا على الصعيد السياسي وحسب، بل كذلك على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. لكنها لا تطيح النظام الاقتصادي الأساسي. هكذا فتح 9 ترميدور، لما أطيح حكم اليعاقبة بفرنسا، جملة متتالية من الثورات المضادة السياسية هيمنت على الساحة السياسية طيلة 35 سنة. قام بالتوالي حكم الترميدوريين (ديركتوار=حكومة المديرين)، وحكم نابليون بونابارت (القنصلية؟؟، ثم الإمبراطورية)، وعودة ملكية آل بوربون. لكن لم يكن ثمة بتاتا رجوع إلى النظام القديم شبه الإقطاعي. و واصلت الرأسمالية تطورها. وقد أدى ذلك من جهة أخرى إلى ثورات سياسية جديدة مع المدة.

كما كانت الثورة البلجيكية لعام 1830 ثورة سياسية وليس اجتماعية. كانت الرأسمالية قائمة ببلدنا قبل سبتمبر 1830. كانت السلطة السياسية هي التي انتقلت من قسم من الطبقة السائدة(؟؟؟؟ هولندية) إلى قسم آخر. كذلك بعد انتصار الثورة البلشفية بروسيا حدثت ثورة مضادة سياسية،أي ترميدور أدى، خلال الدكتاتورية الستالينية الدامية، إلى انتصار الرجعية والنكوص في اغلب ميادين الحياة الاجتماعية. انتقلت السلطة السياسية للطبقة العاملة ولحزب ثوري حقيقي إلى أيدي بيروقراطية ذات امتيازات وغاصبة وطفيلية. تلزم ثورة سياسية جديدة لاعادة إرساء سلطة سوفييتات حقيقية، وتسيير عمالي حقيقي للاقتصاد، وديمقراطية اشتراكية حقيقية.

ثورات برجوازية وثورات عمالية
لا بد من تمييز آخر إلى جانب تمييز الثورات الاجتماعية عن الثورات السياسية. انه تمييز ثورة برجوازية عن ثورة بروليتارية(اشتراكية). تستبدل ثورة برجوازية سلطة نبلاء العقار والبلاط بسلطة الرأسمال. وتتيح ازدهار الصناعة الرأسمالية. إنها تمثل تقدما أكيدا على الإقطاعية ، تقدم دفع الأجراء ويدفعون ثمنه استغلالا وحياة بلا أمان قاسيين.

تعني ثورة بروليتارية (اشتراكية) إلغاء سلطة الرأسمال، على صعيد الدولة أولا( لا سيما زوال جهاز قمعها)، ثم بسرعة بالبلدان الصناعية على صعيد الاقتصاد. هكذا يبدأ جهد بناء مجتمع جديد، المجتمع الاشتراكي بلا طبقات، حيث يقرر العمال والمواطنون بحرية مصيرهم بالتسيير الذاتي للاقتصاد والدولة.

كان للبرجوازية دور ثوري في القرون 16 و17و18. وقد أطلقت بذاتها ثورات بالاستناد على الجماهير الشعبية. وشهدت الثورة الفرنسية عام 1789 أوج الدور الثوري للبرجوازية هذا وبداية انقلابه. فبقدر تطور الرأسمالية، لا سيما بعد الثورة الصناعية لنهاية القرن 18، تظهر على الساحة التاريخية طبقة اجتماعية جديدة: “الفئة الرابعة” أو الطبقة قبل البروليتاريا أولا، ثم الطبقة العاملة الصناعية، ثم طبقة الأجراء بالمعنى الأوسع للكلمة.

كلما تأخر حدوث الثورات البرجوازية، تكون الطبقة العاملة أقوى عند اندلاعها أخيرا، وبقدر ما يترتب على البرجوازية أن تقاتل على جبهتين: ضد قوى النظام القديم من جهة، وضد البروليتاريا الصاعدة من جهة أخرى.

منذ الثورة الفرنسية لعام 1789 كان الأمر على ذلك النحو اكثر مما خلال الثورة الإنجليزية للقرن 17. وفي 1848 بألمانيا وإيطاليا، ولا سيما بفرنسا، كان الأمر على ذلك المنوال اكثر من 1789. وكان ذلك صحيحا اكثر في روسيا عامي 1905 و1917، والصين أعوام 1925-1927 وبدءا من 1937-1946 مما كان في 1848. كلما تطورت البروليتاريا بدأت البرجوازية الخوف من الثورة حتى وهي لم تصل بعد إلى السلطة. وتخشى اكثر فاكثر- وعن حق- ان تزاوج الجماهير الشعبية بين النضال من اجل الظفر بالحريات الديمقراطية وبالأرض للفلاحين وبالحقوق القومية وبين حل اشتراكي.

في هكذا شروط تفقد البرجوازية قدرة خوض الثورة حتى انتصارها. وفي الختام تنتقل إلى معسكر الثورة المضادة. إن قيادة غير برجوازية للثورة ( يعقوبية برجوازية صغيرة في 1789-1793 ، بروليتارية بدءا من 1848) بوسعها دون غيرها ان تتيح انتصار الثورة. مذاك تغدو هذه “ثورة دائمة”. تنتقل، دون قطع ولا مرحلة وسيطة، من الظفر بالسلطة من طرف الطبقة العاملة، التي تنجز المهام الوطنية الديمقراطية، إلى بداية تحقيق المهام المعادية للرأسمالية، أي المهام الاشتراكية.

لم تنتصر الثورات التي جرت منذ الحرب العالمية الثانية سوى بهذا الظفر بالسلطة من قبل الطبقة العاملة المتحالفة مع باقي الطبقات الشعبية. لكنها كانت مطبوعة بأوضاع خاصة في أقسام مختلفة من العالم، حددتها بوجه خاص المهام الاستراتيجية المتباينة الواجب حلها. ُتطابق هذه المهام المشاكل المختلفة نسبيا التي اعترضت الجماهير الكادحة بكل من البلدان المسماة العالم الثالث، والبلدان المسماة” اشتراكية” وبلدان المتربول الصناعية الرأسمالية( البلدان الإمبريالية). هذا ما حدا بالأممية الرابعة إلى أن تستعمل بهذا الصدد صيغة ” قطاعات الثورة العالمية الثلاثة”.

لكن وحدة هذه القطاعات نابعة من كون البروليتاريا، طبقة الأجراء، هي الذات الثورية الفعالة، الحائزة دون غيرها، بالقوة بالأقل، على قدرة شل السلطة الاقتصادية والسياسية للرأسمال، واستبدال الفوضى القائمة على الاستغلال والاضطهاد بنظام مساواة وحرية.

بالطبع ليست هذه الطبقة في وضع تعبئة دائمة، ولا بوجه خاص معبأة دوما على نحو ثوري. وهذا بالذات ما يجعل الانفجارات الثورية لا تندلع سوى في فترات متباعدة. لكن فقط عندما تحدث انفجارات نشاط الجماهير المتمردة هذه يمكن تنظيف جذري لإسطبلات أوجياس(***) العالم القديم، المترعة لا بالأوساخ وحسب بل كذلك بالديناميت المهدد بتفجير كوكبنا. وهذا أمر وقف على وعي وقيادة ثورية ملائمين لدى البروليتاريا.

ان إيماننا بأن هذه الانفجارات الثورية ستحدث على التمادي مهما يكن من أمر هو ما يلزمنا بالتحضير من الآن لانتصارها الذي قلما يتيسر دون بناء حزب وأممية ثوريين منذ الآن.

ان الثورة الاشتراكية المحققة بالتعبئة والنشاط والتنظيم الذاتي المعممين للجماهير الكادحة ستؤكد في آخر المطاف الشعار القديم الذي أطلقه ماركس على الحركة العمالية منذ الأممية الأولى:”تحرر العمال سيكون من صنع العمال أنفسهم”.

            ـــــــــــــ

            SA* :Sturmabteilung فصيلة الاقتحام، تشكيل شبه عسكري بالمانيا النازية تاسس عام 1921 و بلغ تعداده 3 مليون عام 1933.

            SS** :SchutzStaffel ، شرطة الحزب النازي العسكرية ، شكلها عام 1925.

            *** اصطبلات أوجياس

تقرير ألكسندرا كولونتاي أمام المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية


تقرير ألكسندرا كولونتاي أمام المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية
(موسكو 22 حزيران - 12 تموز 1921)

التدوينة 2 من أصل 7




1 - موضوعات للدعاية بين النساء
2 - أساليب العمل بين النساء
3 - العمل السياسي للحزب بين النساء في بلدان النظام السوفياتي
4 - العمل السياسي للحزب بين النساء في البلدان الرأسمالية
5 - العمل السياسي للحزب بين النساء في البلدان المتخلفة اقتصاديا (الشرق)
6 - تنظيم القطاعات النسائية
7 - العمل على الصعيد العالمي
8 - قرار حول العلاقات بين النساء الشيوعيات في العالم وبين الأمانة العامة النسائية للأممية الشيوعية
9 - قرار حول أشكال وأساليب العمل الشيوعي بين النساء







1 - موضوعات للدعاية بين النساء

أ - مبادئ عامة:

إن المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية، بالاشتراك مع المجلس العالمي للنساء الشيوعيات، يقر رأي المؤتمرين الأول والثاني، المتعلق بضرورة قيام الأحزاب الشيوعية في الغرب والشرق، بتعزيز العمل بين البروليتاريا النسائية، وبخاصة التربية الشيوعية للجماهير الواسعة من العاملات، اللواتي ينبغي جرّهن إلى النضال من أجل سلطة السوفياتات ومن أجل تنظيم الجمهورية العمالية السوفياتية.

لقد أصبحت ديكتاتورية الطبقة العاملة، بالنسبة للبروليتاريا في العالم أجمع، وبالتالي بالنسبة للعاملات، مسألة رئيسية.

يسير الاقتصاد الرأسمالي في طريق مسدود. فالقوة المنتجة لم تعد قادرة على التطور في إطار النظام الرأسمالي. وعجز البورجوازية عن إعادة الحياة إلى الصناعة، وبؤس الجماهير الكادحة المتعاظم وتفشي المضاربات وتفسخ الإنتاج، كل هذا يؤدي إلى انتعاش الصراع الطبقي في جميع البلدان. وفي هذا الصراع تبرز مسألة معرفة من يدير عملية الإنتاج: أحفنة من البورجوازيين والمستثمرين وعلى أسس الرأسمالية والملكية الخاصة، أم طبقة المنتجين الحقيقيين وعلى أسس الشيوعية ؟

يجب على الطبقة الجديدة الصاعدة، طبقة المنتجين الحقيقيين، وفقا لقوانين التطور الاقتصادي، أن تستولي على وسائل الإنتاج وأن تخلق الأشكال الاقتصادية الجديدة، فبهذا فقط تستطيع القوى المنتجة أن تعطي الحد الأقصى من مردوده، بينما تمنع فوضى الإنتاج الرأسمالي هذه القوى حتى من إعطاء المردود المؤهلة له أساسا. وطالما أن السلطة هي في حوزة البورجوازية، تبقى البروليتاريا عاجزة عن تقويم الإنتاج. ولا يمكن لأي إصلاح أو تسوية تقوم بها الحكومة الديمقراطية أو الاشتراكية في البلدان البورجوازية أن تنقذ الوضع وأن تخفف من آلام الشغيلة، لأن هذه الآلام هي نتيجة طبيعية لانهيار النظام الرأسمالي، وهذه الآلام ستبقى ما بقيت السلطة في أيدي البورجوازية، واستيلاء البروليتاريا على السلطة وحده سيمكن الطبقة العاملة من السيطرة على وسائل الإنتاج، ومن ضمان إمكانية توجيه الاقتصاد وفقا لمصلحتها الخاصة.

لكي تقرب البروليتاريا ساعة اللقاء الحاسم مع العالم البورجوازي المحتضر، عليها أن تلتزم بحزم بالتكتيك الصارم الذي أوصت به الأممية الثالثة. إن الأمر الأساسي الذي ينبغي أن يكون في صميم جدول أعمال الشيوعيين هو تحقيق ديكتاتورية البروليتاريا، فهذا الأمر هو الهدف الذي على أساسه تتحدد طرق عمل الشيوعيين من الجنسين وخط سلوكهم.

وانطلاقا من أن النضال من أجل ديكتاتورية البروليتاريا هو في صميم جدول أعمال الشيوعيين في جميع الدول الرأسمالية، ومن أن بناء الشيوعية هو المهمة الراهنة في البلدان التي وصلت فيها البروليتاريا إلى السلطة، يؤكد مؤتمر الأممية الثالثة على أن استلام السلطة من قبل البروليتاريا، ثم تحقيق الشيوعية، لا يمكن أن يتم دون الدعم النشيط والفعال الذي تقدمه الجماهير النسائية البروليتارية وشبه البروليتارية.

من جهة أخرى يلفت المؤتمر انتباه النساء إلى أن المحاولات الرامية إلى تحرير المرأة ومساواتها الكاملة بالرجل لا يمكنها أن تصادف النجاح دون أن تحظى بدعم الأحزاب الشيوعية.



- ب -

إن مصلحة الطبقة العاملة تفرض انضمام النساء إلى صفوف البروليتاريا المنظمة والمكافحة في سبيل الشيوعية، وهي تفرض هذا الأمر بقدر ما تصبح أزمة الاقتصاد الرأسمالي أكثر حدة وأقل قابلية للتصحيح في نظر التجمعات الفقيرة في المدينة والريف. وبقدر ما تطرح الثورة الاجتماعية كأمر لا مناص منه أمام الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية، تطرح أمام الشعب الكادح في روسيا السوفياتية، مهمة إعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس جديدة، أي على أسس الشيوعية. ويصبح تحقيق هاتين المهمتين أكثر سهولة عندما تأخذ المرأة فيهما دورا أكثر فاعلية ووعيا وإرادة.



- ج -

عندما تطرح مسألة الاستيلاء على السلطة بشكل مباشر، على الأحزاب الشيوعية أن تعرف كيف تميز بوضوح الخطر الكبير الذي تمثله في الثورة جماهير المستخدمين والعمال الخاملين والفلاحين الرازحين تحت تأثير الكنيسة والمفاهيم البرجوازية، والذي لا توجد أية روابط بعد بينهم وبين الشيوعيين. إن الجماهير النسائية في الشرق والغرب والموجودة بمنأى عن حركة الشيوعيين تشكل بالتأكيد مرتكزا للبرجوازية وحيزا لها تبث فيه دعايتها المعادية للثورة. إن تجربة الثورة المجرية حيث لعب تخلف وعي الجماهير النسائية دورا محزنا للغاية، يجب أن تظل ماثلة أمام بروليتاريا جميع البلدان المتخلفة والواقفة على أبواب الثورة الاجتماعية.

إن التجربة العملية التي خاضتها الجمهورية السوفياتية قد أظهرت الأهمية الكبرى لمشاركة العاملة والفلاحة في الدفاع عن الجمهورية أثناء الحرب الأهلية أكثر مما أظهرتها في مجالات الإدارة السوفياتية. ونفهم أهمية الدور الذي لعبته جماهير العاملات والفلاحات في بناء الجمهورية السوفييتية عندما نطلع على نشاطهن في مجالات تنظيم الدفاع، وفي تدعيم مؤخرة الجيش وفي النضال ضد القحط وفي أعمال التخريب والنسف وغير ذلك...

إن تجربة الجمهورية السوفياتية يجب أن تستوعب وأن يستفاد منها في البلدان الأخرى. إن المهمة الراهنة الملقاة على عاتق الأحزاب الشيوعية تستخلص في الأمور الآتية: إيصال تأثير الحزب الشيوعي إلى أوسع التجمعات النسائية وذلك بواسطة لجان خاصة يشكلها الحزب وبواسطة الأساليب الخاصة التي تمكن من مخالطة النساء وإخراجهن من المجالات التي تتأثر بنشاط الأحزاب المؤتلفة مع البورجوازية وذلك لجعلهن مناضلات حقيقيات من أجل تحرير المرأة الكامل.



- د -

إن المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية عندما يضع على عاتق الأحزاب الشيوعية في الشرق والغرب مهمة تعزيز نشاط الحزب في صفوف البروليتاريا النسائية يظهر في الوقت نفسه لعمال العالم أجمع أن تحريرهم من الظلم المزمن ومن العبودية واللامساواة لا يمكن أن يتحقق إلا بانتصار الشيوعية. إن ما تقدمه الأحزاب الشيوعية للمرأة في مطلق حالة من الحالات، تعجز عن تقديمه الحركة النسائية البرجوازية، وتنتفي تماما كل إمكانية لتحرير المرأة طالما بقيت سيطرة رأس المال والملكية الخاصة قائمة.

إن القانون الانتخابي الذي يعطي للمرأة حقها بالتصويت، لا يلغي عبوديتها في المجتمع والأسرة، كما أنه لا يقدم حلا لمشكلة العلاقات القائمة بين الجنسين. إن المساواة الحقيقية وليست الشكلية بين المرأة والرجل لا تقوم إلا في إطار نظام تكون فيه المرأة العاملة سيدة وسائل الإنتاج والتوزيع ومساهمة في إدارة هذه الوسائل تعمل في نفس الظروف التي يعمل فيها سائر أعضاء المجتمع العامل. بكلام آخر لا يمكن للمساواة أن تتحقق إلا بقلب النظام الرأسمالي وإحلال الأشكال الشيوعية محل الأشكال الرأسمالية.

إن الشيوعية وحدها هي التي ستخلق ظروفا لا تكون فيها الأمومة الوظيفة الطبيعية للمرأة في حالة تناقض مع ما تفرضه تعقيدات المجتمع، وفي ظروف الشيوعية سوف لن يكون هناك ما يحول دون مساهمة المرأة في العمل المنتج لصالح الجماعة، ولكن الشيوعية هي الهدف النهائي للبروليتاريا، وبالتالي فإن نضال العامل والعاملة من أجل هذا الهدف المشترك، ينبغي له أن يستمر مشترك، وأن لا يحدث فيه أي انفصام وذلك لمصلحة الطرفين.



- هـ -

إن المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية يؤكد صحة المبادئ الأساسية للماركسية الثورية والتي لا توجد بموجبها مشاكل « نسائية خاصة » ويعتبر أن كل صلة تقيمها المرأة العاملة مع النزعة النسوية البرجوازية وكل اعتماد من قبلها على المساومة الصريحة الخيانة، التي يمارسها الاشتراكيون-الائتلافيون والانتهازيون تضعف من قوة البروليتاريا وتؤخر الثورة الاجتماعية وتمنع في الوقت ذاته تحقيق الشيوعية وبالتالي تحول دون تحرير المرأة.

إن بلوغ المجتمع الشيوعي لا يتسم إلا باتحاد كل المستثمرين، وليس باتحاد القوى النسائية في الطبقتين المتناحرتين. إن جماهير البروليتاريا النسائية عليها أن تستوعب التكتيك الثوري للحزب الشيوعي، وأن تأخذ القسط الأكثر فعالية والأكثر تأثيرا على نشاط الجماهير في الحرب الأهلية بجميع أشكالها ومظاهرها.



- و -

إن نضال المرأة للتخلص من الاضطهاد المزدوج، اضطهاد الرأسمالية والخضوع المطلق للأسرة وللخدمات المنزلية، ينبغي له أن يأخذ في المرحلة القادمة من مراحل تطوره صفة عالمية، وذلك بتحوله على نضال تشنه البروليتاريا من الجنسين بهدف تحقيق ديكتاتورية البروليتاريا والنظام السوفياتي وتحت لواء الأممية الثالثة.



- ز -

إن المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية، عندما يحض عاملات العالم ضد كل شكل من أشكال التعاون والتحالف مع النسوية البرجوازية يعلمهن سلفا أن كل اعتماد من قبلهن على الأممية الثانية أو على العناصر الانتهازية القريبة منها لا بد إلا وأن يجر أفدح الأخطاء على حركتهن. وعلى النساء أن يتذكرن أن جميع بذور عبوديتهن ممتدة في جسم النظام البرجوازي، ولكي يتخلص من هذه العبودية ينبغي الوصول إلى نظام اجتماعي جديد.

إن التمسك بالأمميتين الثانية والثانية والنصف وبالجماعات المماثلة لها يؤدي إلى شل مسيرة الثورة، وبالتالي يمنع عملية التحول الاجتماعي بتأجيل ساعة تحرير المرأة.

وبقدر ما يكون ابتعاد الجماهير النسائية عن الأمميتين الثانية والثانية والنصف جسديا يكون انتصار الثورة الاجتماعية أمرا مضمونا. إن واجب النساء الشيوعيات هو إدانة المشككين بالتكتيك الثوري الذي تتبعه الأممية الثالثة، وإبعاد هؤلاء المشككين عن الصفوف المتراصة للأممية الشيوعية.

وعلى النساء أن يتذكرن دائما أن الأممية الثانية لم تفكر بتاتا في إيجاد لجان غايتها النضال من أجل تحرير المرأة، أما بالنسبة للاتحاد العالمي للنساء الاشتراكيات، فقد تكوّن هذا الاتحاد بمبادرة العاملات الخاصة وخارج إطار الأممية الثانية.

لقد حددت الأممية الثالثة مند مؤتمرها الأول عام 1919 موقفها من مسألة اشتراك النساء في النضال من أجل ديكتاتورية البروليتاري، فقد عقد بمبادرة الأممية الثالثة وبمشاركتها المؤتمر الأول للنساء الشيوعيات. وفي عام 1920 تأسست الأمانة العامة العالمية للدعاوة بين النساء، وتقرر تمثيلها الدائم في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية. إن واجب العاملات الواعيات في كل البلدان هو قطع الصلة مع الأمميتين الثانية والثانية والنصف والإصرار بحزم على السياسة الثورية للأممية الثالثة.



- ح -

إن الدعم الذي ستقدمه جماهير العاملات والمستخدمات للأممية الثالثة يجب أن يتمثل أولا بانضمامهن إلى صفوف الأحزاب الشيوعية في بلدانهن. أما في البلدان والأحزاب التي لم ينته فيها الصراع بعد بين الأممية الثالثة والأممية الثانية، فإن واجب العاملات هو تقديم الدعم للحزب أو للفريق الذي يؤيد سياسة الأممية الثالثة، وأن يناضلن أيضا دون هوادة ضد العناصر الخائنة والمترددة. إن البروليتاريات الواعيات والمناضلات في سبيل تحررهن لا ينبغي لهن البقاء داخل الأحزاب غير المنتمية إلى الأممية الثالثة.

إن كل عدو للأممية الثالثة هو عدو لتحرير المرأة.

إن واجب كل عاملة واعية في الشرق والغرب هو الانتظام تحت الراية الثورية التي ترفعها الأممية الثالثة. إن كل تردد من قبل العاملات في قطع العلاقات مع الجماعات الانتهازية أو مع السلطات المعروفة يؤخر انتصار البروليتاريا على صعيد معركة الحرب الأهلية التي تأخذ شكل حرب أهلية عالمية.



2 - أساليب العمل بين النساء

انطلاقا من المبادئ التي سبق ذكرها يقرر المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية أن على الأحزاب الشيوعية في كل البلدان أن تعمل في صفوف البروليتاريا النسائية وعلى الأسس التالية:

1 - الانطلاق من المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة داخل الحزب والتنظيمات البروليتارية الأخرى (نقابات، تعاونيات، مجالس قدماء في المصانع).

2 - الأخذ بعين الاعتبار لأهمية مشاركة المرأة في كل أشكال نضال البروليتاريا (ومن ضمنها الكفاح المسلح) وأهمية تعريفها على الأسس الجديدة للمجتمع وعلى أشكال تنظيم الإنتاج بحسب المبادئ الشيوعية.

3 - النظر إلى الأمومة باعتبارها وظيفة اجتماعية والقيام بتطبيق كل الإجراءات الكفيلة بحماية المرأة بوصفها أماً.

إن المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية بوقوفه ضد كل شكل من أشكال إقامة تنظيمات خاصة بالنساء داخل الحزب والنقابات والتجمعات، يعرف كم هو ضروري بالنسبة للأحزاب الشيوعية اتباع أساليب خاصة للعمل بين النساء، ويقدر فائدة إنشاء لجان خاصة لهذا العمل داخل كل حزب شيوعي. من هنا يجد المؤتمر نفسه مقودا بالاعتبارات التالية:

أ - استعباد المرأة داخل الأسرة ليس خاصا بالمجتمعات البرجوازية الرأسمالية بل إنه موجود أيضا في البلدان التي يسود فيها النظام السوفياتي وذلك أثناء مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية.

ب - القصور الذاتي الكبير والتأخر السياسي للجماهير النسائية هي نواقص تفسر كنتائج للابتعاد المزمن للمرأة عن الحياة الاجتماعية ولاستعبادها داخل الأسرة.

ج - الوظائف التي فرضتها الطبيعة نفسها على المرأة وما يستتبعها من خصوصيات، يضاف إلى ذلك حاجتها إلى حماية ورعاية صحية أكبر لما فيه مصلحة المجتمع ككل.

إن الأجهزة الخاصة بالعمل بين النساء يجب أن تكون قطاعات أو لجان ملحقة بكل هيئات الحزب ابتداء من اللجنة المركزية وانتهاء بلجان المناطق والضواحي. وهذا القرار هو إجباري بالنسبة لكل الأحزاب المنتمية إلى الأممية الشيوعية.

إن المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية يطلب من الأحزاب الشيوعية أن تنفذ بواسطة لجانها الخاصة بالعمل بين النساء المهمات التالية:

1 - تربية أوسع الجماهير النسائية بالروح الشيوعية وجر هذه الجماهير إلى صفوف الأحزاب الشيوعية.

2 - محاربة الأحكام المسبقة التي تطلقها النساء على جماهير البروليتاريا من الرجال، وذلك بتعزيز فكرة التضامن بين العاملات والعمال بما فيه مصالح البروليتاريا من الجنسين.

3 - تقوية إرادة المرأة باستخدامها في كل أشكال ومظاهر الحرب الأهلية وإيقاظ حيويتها بإشراكها في النشاطات الجماهيرية وفي النضال ضد الاستثمار الرأسمالي في البلدان البرجوازية ضد غلاء المعيشة، أزمة السكن، البطالة، وبإشراكها أيضا في تنظيم الاقتصاد الشيوعي، وبشكل عام في كافة أوجه النشاط في الجمهوريات السوفياتية.

4 - وضع المسائل المتعلقة بحرية المرأة، وبرعايتها كأم، وضعها بشكل دائم في جدول أعمال الحزب والمؤسسات التشريعية.

5 - النضال ضد تأثير التقاليد والعادات البرجوازية والكنيسة بقصد إفساح الطريق أمام إقامة علاقات أكثر سموا وانسجاما بين الجنسين.

إن عمل جميع اللجان النسائية يجب أن يتم تحت الإشراف المباشر لهيئات الحزب وعلى مسؤولية هذه الهيئات.

ينبغي أن يوجد بقدر الإمكان رفاق من الذكور بين أعضاء اللجان العاملة في صفوف النساء، حيث يكون للأحزاب الشيوعية وجود علني أو شبه علني، على هذه الأحزاب أن تشكل جهازا للعمل بين النساء وأن يكون هذا الجهاز سريا ومرتبطا بالجهاز السري العام للحزب، وفي هذا الجهاز كما في كل جهاز علني، على كل لجنة أن تضم رفيقة تكون مهمتها توجيه الدعاية السرية بين النساء.

في المرحلة الراهنة يجب أن تكون النقابات، والاتحادات المهنية المجال الرئيسي لعمل الشيوعيين بين النساء، وذلك بالنسبة للبلدان التي لم تتخلص بعد من نير الاستثمار الرأسمالي أكثر مما هو بالنسبة للبلدان التي تقام فيها جمهوريات العمال السوفييتية.

على العمل بين النساء أن يقوم تبعا للروحية التالية: وحدة بين الخط السياسي والتنظيم الحزبي. مبادرة حرة للجان والقطاعات في كل ما من شأنه أن يعطي للمرأة تحررها ومساواتها. ولكن هذا الأمر لا يتم إلا بنشاط الحزب كله، فالمطلوب هنا تكميل جهود الحزب بنشاطات المرأة ومبادراتها الخلاقة وليس بإيجاد موازاة بين الحزب وبين لجان العمل النسائي.



3 - العمل السياسي للحزب بين النساء في بلدان النظام السوفياتي

إن دور القطاعات النسائية في الجمهوريات السوفياتية هو تربية الجماهير النسائية بروح شيوعية بجر هذه الجماهير إلى صفوف الحزب الشيوعي ويتجلى هذا الدور أيضا في تنمية نشاط ومبادرة المرأة بجرها إلى العمل في بناء الشيوعية وبجعلها مدافعة صلبة عن الأممية الشيوعية.

على القطاعات أن تشرك المرأة في جميع مجالات التنظيم السوفياتي ابتداء من الدفاع العسكري عن الجمهورية وانتهاء بمجالات العمل الاقتصادي البالغة التعقيد. على القطاعات أن تسهر على تنفيذ مقررات المؤتمر الثالث لمجلس السوفيات والمتعلق بإشراك العاملات والفلاحات بتنظيم وبناء الاقتصاد الوطني بنفس المقدار الذي تسهر فيه على الأعضاء الذين يوجهون وينظمون ويديرون عملية الإنتاج. على القطاعات أن تتعاون في إعداد القوانين الجديدة وفي إدخال التعديلات على القوانين السارية وفقا لاحتياجات التحرر الفعلي للمرأة. وعليها أيضا أن تراقب وتختبر المبادرات الخاصة بهدف تطوير التشريعات التي تحمي حقوق المرأة. على القطاعات أن تشحذ أكبر عدد ممكن من العاملات والفلاحات في حملات انتخاب مجالس السوفييت وأن تأخذ بعين الاعتبار أن عددا من العاملات والفلاحات ينبغي انتخابهن في مجالس السوفييت واللجان التنفيذية.

ومن المهمات الملقاة على عاتق القطاعات تحسن ظروف العمل للنساء والتخصص في هذا العمل بنشر التعليم المهني الذي يزيل كثيرا من الصعوبات التي تعترض العاملات والفلاحات في عملهن.

وعلى القطاعات أن تسعى دائما لإدخال النساء إلى منظمات حماية العمل وأن تسعى أيضا لتعزيز نشاط منظمات رعاية الأمومة والطفولة.

وستسعى القطاعات لتطوير شبكة المنشآت العامة كدور الأيتام ومراكز غسل وتنظيف الألبسة، ومشاغل تصليح السلع والأدوات المختلفة وبهذا تكون المؤسسات الجديدة والقائمة على أسس الشيوعية قد خففت عن المرأة بعضا من حمل المرحلة الانتقالية وقدمت لها استقلالها المادي وجعلت منها مشاركة في خلق الأشكال الجديدة للحياة بعد أن كانت مجرد خادمة وعبدة للأسرة.

على القطاعات أن تسعى لتسهيل تثقيف أعضاء النقابات من النساء بروح الشيوعية وذلك بواسطة منظمات العمل النسائي التي تشكل أجزاء من الحزب داخل النقابات نفسها وستحرص القطاعات أيضا على حضور العاملات الملتزم لاجتماعات ممثلي عمال المصانع والمعامل.

وستقوم القطاعات بتوزيع ممثلي الحزب كمتمرنين على جميع فروع العمل: السوفياتات، الاقتصاد الوطني، النقابات.



4 - العمل السياسي للحزب بين النساء في البلدان الرأسمالية

إن الظروف الموضوعية هي التي تحدد المهمات المباشرة للجان العمل النسائي. وتتميز هذه الظروف بانهيار الاقتصاد العالمي واشتداد حدة البطالة وتضاؤل الحاجة إلى الأيدي العاملة النسائية وما يتبع ذلك من انتشار البغاء بين النساء، وهناك أيضا غلاء المعيشة وأزمات السكن وخطر نشوب حرب إمبريالية، يضاف إلى ذلك قيام الإضرابات المطلبية بشكل متواصل في جميع البلدان الرأسمالية والاتساع المستمر للرقعة التي يغمرها الجو الخانق للحرب الأهلية حتى تشمل العالم أجمع.

إن لجان العمل النسائي بمقاومتها لفصل المرأة عن الرجل ولاعتبار خصوصية وضع المرأة، ستسعى ليس فقط لاعتبارها مساوية في الحقوق والواجبات للرجل داخل الحزب والنقابات والتنظيمات العمالية الأخرى، بل أيضا لإيصالها عن طريق الانتخاب، إلى الهيئات القيادية في هذه التنظيمات.

إن حصول المرأة على بعض حقوقها لا يعني تحررها الكامل، ولكنه يؤدي إلى إضعاف الاستثمار الرأسمالي الذي تعاني منه، لذلك فإن الحزب الشيوعي ولجان العمل النسائي ستسعى في الوقت الذي تطرح فيه نظام السوفيات كبديل للبرلمانية، إلى تمكين العاملات والفلاحات من ممارسة حقوقهن الانتخابية حتى في الانتخابات البرلمانية وغيرها من الانتخابات الأخرى.

وعلى اللجان أن تبذل غاية الجهد في سبيل تمكين العاملات والمستخدمات والفلاحات من القيام بدور فعال وواع في انتخابات السوفياتات، وفي انتخاب ممثلي العمال في المصانع، وعليها أيضا أن تجهد في إيقاظ النشاط السياسي عند الخادمات وفي نشر فكرة السوفياتات خصوصا بين الفلاحات.

وعلى اللجان أن تكرس أكبر قسط من انتباهها لتنفيذ مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي ولكي تتمكن اللجان من جمع النساء حولها لا بد لها من إشعار المرأة بقيمتها الفعلية عن طريق محاضرات مبسطة ومفهومة من الجميع. على اللجان أن تحرص على إشراك النساء الشيوعيات في المؤسسات التشريعية والمجالس البلدية بهدف نشر سياسة الحزب الثورية في هذه المؤسسات. وأثناء اشتراكهن في المؤسسات التشريعية والمجالس البلدية وغيرها من أجهزة الدولة البرجوازية، على الشيوعيات أن يتقيدن بحزم بمبادئ الحزب وتكتيكاته وعليهن أن لا ينهمكن في الركض وراء الإصلاحات التي يسمح بها النظام الرأسمالي من خلال طرحهن لمطالب الجماهير النسائية، بل عليهن من خلال هذا الطرح إيقاظ نشاط هذه الجماهير وتوجيهها في طريق الصراع الثوري من أجل دكتاتورية البروليتاريا.

على اللجان أن تبقى على اتصال وثيق مع الشيوعيين داخل البرلمانات والمجالس البلدية، وأن تتشاور معهم حول جميع المشروعات التي تتعلق بالنساء، وعليها أيضا أن تجمع النساء حول المطالب التي يطرحها الحزب الشيوعي والتي تدعو إلى تحسين وضع الطبقة العاملة، وذلك بتعريف النساء بالخصائص المتأخرة وغير الاقتصادية لنظام الخدمة المنزلية المنفصلة، وبمساوئ التربية البورجوازية التي ينشأ عليها الأطفال.

على اللجان أن تنشط عملية انضمام العاملات من أعضاء النقابات إلى صفوف الحزب وعلى قطاعات الحزب الموجودة في هذه النقابات أن تفصل لهذه الغاية أعضاء مهمتهم تنظيم العمل بين النساء، ويكون عملهم تحت الإشراف المباشر للحزب ولجانه المحلية.

على لجان العمل النسائي أن تقوم بالدعاوة بين أعضاء التنظيمات العمالية وأن توصل الأفكار الشيوعية إلى قيادات هذه التنظيمات عن طريق الشيوعيات اللواتي يتوصلن إلى دخولها وذلك نظرا لما لهذه التنظيمات من أهمية كبرى أثناء الثورة وبعدها.

إن الهدف الوحيد الذي ينبغي لعمل اللجان أن يسعى إلى تحقيقه هو تنمية النشاط الثوري للجماهير بغية الإسراع بتنفيذ الثورة الاجتماعية.



5 - العمل السياسي للحزب بين النساء في البلدان المتخلفة اقتصاديا (الشرق)

في البلدان ذات النمو الصناعي الضعيف على الحزب والقطاعات الحزبية النسائية أن تحصل على اعتراف بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، داخل النقابات والتنظيمات العمالية الأخرى.

وعلى القطاعات واللجان الحزبية النسائية أن تحارب التعصب والأخلاقيات والعادات التي يفرضها الدين على المرأة، وأن تقوم في سبيل ذلك بالدعاوة حتى في صفوف الرجال.

وعلى الحزب الشيوعي وقطاعاته ولجانه أن تطبق أحكام المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة في مجال تربية الأطفال والعلاقات العائلية وفي الحياة العامة.

على القطاعات أن تبحث عن مرتكزات لعملها قبل كل شيء بين جماهير الحرفيات اللواتي يعملن في منازلهن، والعاملات اللواتي يشتغلن في زراعة الأرز والقطن وغير ذلك، وأن تنشط بقدر الإمكان لإنشاء المشاغل الجماعية والتعاونيات الصناعية الصغيرة (بشكل خاص بين شعوب الشرق التي تعيش في أقاصي روسيا السوفييتية) وأن تسعى أيضا لتأسيس نقابات تضم العاملات الزراعية. إن رفع المستوى الثقافي للجماهير هو من أفضل الوسائل لمحاربة الروتين والتعصب الديني السائد في بلدان الشرق. لهذا على اللجان الحزبية أن تعمل على فتح المدارس أمام الكبار والصغار على السواء وأن تسهل عملية دخول النساء إلى هذه المدارس، هذا في بلدان الشرق السوفييتي، أما في البلدان البرجوازية فعلى اللجان النسائية أن تحرض بشكل مباشر ضد تأثير الفكر البرجوازي على المدارس والتعليم.

وفي إطار الدعاوة التي تقوم بها لجان الحزب النسائية وقطاعاته، لا بد من إقامة النوادي ودعوة العاملات إليها، وبشكل خاص أكثرهن تخلفا من الناحية الثقافية، وينبغي لهذه النوادي أن تكون بمثابة مراكز نموذجية للتثقيف والتعليم والتنظيم وقادرة على إبراز ما تستطيع المرأة عمله من أجل تحررها واستقلالها، ويمكن في هذا المجال إقامة وتنظيم (دور الحضانة، حدائق الأطفال والمدارس الابتدائية لتعليم الكبار). أما عند الشعوب التي لا تزال تعيش حياة البداوة فيمكن إقامة نواد متنقلة.

في البلدان ذات النظام السوفييتي على القطاعات الحزبية النسائية بالتعاون مع الأحزاب الشيوعية أن تسهل عملية الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية بوضع المرأة أمام الحقيقة البديهية القائلة بأن وضعها كخادمة في العائلة مهما كانت الأشكال التي ارتداها هذا الوضع حتى الآن ليس بوسعه إلا أن يزيد من عبوديتها في حين أن العمل الجماعي يحررها نهائيا.
على القطاعات الحزبية النسائية في هذه البلدان أن تسهر أيضا على أن تضع في موضع التنفيذ التشريعات السوفياتية التي تساوي بين الرجل والمرأة، وتدافع عن حقوق الأخيرة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف على القطاعات أن تفسح المجال أمام النساء للوصول إلى مناصب القضاة في المحاكم الشعبية.

كذلك على القطاعات أن تشرك النساء في انتخابات مجالس السوفييت وأن ترعى وصول العاملات والفلاحات إلى هذه المجالس وإلى اللجان التنفيذية. إن العمل في صفوف البروليتاريا النسائية في الشرق، يجب أن يقوم على أساس الصراع الطبقي ومن هنا ينبغي كشف عجز النسوية عن إيجاد حلول مختلف المشاكل التي تطرحها مسألة تحرير المرأة. وفي هذا المجال يمكن استخدام القوى الفكرية النسائية (المدرسات مثلا) لنشر التعليم في بلدان الشرق السوفييتي. وعلى لجان الحزب وقطاعاته أن تناضل علنا ضد تأثير الدين والنزعات الفوقية على النفوس وأن تتحاشى أثناء هذا النضال الصداقات الفجة والمفتقرة إلى الليونة مع المعتقدات الدينية والتقاليد القومية.

إن تنظيم العاملات في الشرق كما في الغرب لا ينبغي له أن يقوم على أساس الدفاع عن المصالح القومية، بل على أساس اتحاد البروليتاريا العالمية من الجنسين من أجل تحقيق المهمات المشتركة للطبقة العاملة.

نظرا للأهمية الكبرى التي يتمتع بها العمل مع نساء الشرق، ولكون هذا العمل يطرح قضايا جديدة كل الجدة أمام الأحزاب الشيوعية، فإن الغوص في تفصيلاته يجب أن يتم انطلاقا من معرفة خاصة بطرائق العمل التي تتلاءم مع ظروف بلدان الشرق. من هنا فإن معرفة طرائق العمل وأساليبه، يجب أن تتم جنبا إلى جنب مع معرفة موضوعات العمل.

أساليب التحريض والدعاوة، لكي تتمكن قطاعات العمل النسائي من إنجاز مهمتها الأساسية، أي تثقيف أوسع جماهير البروليتاريا النسائية بالثقافة الشيوعية، ومن ثم توسيع منظمات الحزب، لابد للأحزاب الشيوعية في الشرق والغرب من استيعاب المبدأ الأساسي لكل عمل بين النساء أي مبدأ « التحريض والدعاوة بالعمل ». والتحريض بالعمل يعني مثل كل شيء إطلاق مبادرة العاملات، والقضاء على عدم ثقتهن بقواهن الخاصة، ويتم ذلك بتوجيههن نحو النشاط العملي في مجالات التنظيم وغيرها من مجالات النضال، بهدف إقناعهن بحقيقة أن كل انتصار للحزب الشيوعي، وكل نشاط ضد الاستثمار الرأسمالي هو تقدم من شأنه تحسين وضع المرأة. من هنا يتضح الأسلوب الذي ستتبعه الأحزاب الشيوعية وقطاعاتها النسائية في عملها مع النساء: « من الممارسة العملية إلى المعرفة النظرية للمثل العليا للشيوعية ».

ولكي تكون القطاعات لجانا للعمل وليس لمجرد الدعوة الكلامية، عليها أن تركز على الخلايا الشيوعية الموجودة في الورش والمعامل، وأن توكل مهمة العمل بين عاملات هذه الورش وهذه المعامل إلى منظم خاص تأخذه من الخلايا التي سبق ذكرها.

إن نشر الفكر الشيوعي بالعمل يتم في روسيا السوفييتية بإدخال العاملة والفلاحة والمستخدمة إلى جميع التنظيمات السوفييتية ابتداء من الجيش والمليشيا وانتهاء بالمؤسسات الخاصة بتحرير المرأة كمؤسسات التغذية العامة ومؤسسات التوجيه الاجتماعي ومؤسسات رعاية الأمومة.. الخ، وهناك مهمة ذات أهمية خاصة ألا وهي إشراك العاملة في كل أشكال البناء الاقتصادي.

أما الدعاوة بالعمل فإنها تتم في البلدان الرأسمالية بجر العاملات إلى مختلف أشكال الإضرابات والتظاهرات والعصيانات المسلحة التي من شأنها أن تعمق الوعي الثوري عند العاملات كذلك يمكن أن تتم الدعاوة من خلال العمل السياسي بأشكاله المختلفة وخاصة العمل السري في دوائر الارتباط. ثم في تنظيم أيام السبت والأحد الشيوعية، حيث تعرف العاملة والمستخدمة كيف يمكنها بالعمل الطوعي أن تكون نافعة للحزب.

إن مبدأ إشراك النساء في الحملات السياسية والمطلبية التي ينظمها الحزب الشيوعي يؤدي إلى نفس النتائج التي تؤدي إليها الدعاوة بالعمل. لذلك على لجان الدعاوة التابعة للأحزاب الشيوعية أن توسع من مجالات نشاطها لتشمل أكثر الجماهير النسائية تعرضا للاستغلال في البلدان الرأسمالية ولتحرر أذهان بعض النساء في الجمهوريات السوفييتية من خرافات ومن مخلفات النظام الاجتماعي البائد. وعلى اللجان أن تهتم أيضا بحاجات وآلام ومطالب الحركة النسائية لأن هذا الاهتمام هو الذي يقنع النساء بأن الرأسمالية يجب أن تسحق كعدو لدود وبأن جميع الطرق يجب أن تمهد أمام الشيوعية كمحرر ومخلص بالنسبة لهن.

إن توجيه الدعاوة والتحريض بشكل منهجي يمكن أن يتم بقيام قطاعات العمل النسائي بإيجاد وتنظيم اتحادات عامة على مستوى ضاحية أو منطقة من مدينة وتضم المستخدمات والعاملات في شتى فروع الصناعة.

في التعاونيات والرابطات على العاملات الشيوعيات أن ينتخبن رفيقات مهمتهن التحريض والتنظيم في صفوف هذه التنظيمات. وعلى القطاعات في الجمهوريات السوفييتية أن تعمل من أجل انتخاب العاملات إلى مجالس المصانع وكل الهيئات الموكلة إليها مهمة إدارة ومراقبة وتوجيه عملية الإنتاج. باختصار ينبغي إيصال العاملات عن طريق الانتخاب إلى جميع التنظيمات والمؤسسات التي يمكن استخدامها في البلدان الرأسمالية أثناء استيلاء البروليتاريا على السلطة، وفي الجمهوريات السوفييتية لحماية ديكتاتورية البروليتاريا وبناء الشيوعية.

على اللجان أن تضع في المصانع الكبيرة، كعاملات ومستخدمات ممثلات عنها من النساء الشيوعيات المجربات، وأن تضع أيضا كما يحدث في الجمهوريات السوفييتية رفيقات مماثلات في المراكز والتجمعات البروليتارية الكبرى.

على القطاعات النسائية في البلدان الرأسمالية أن تحتذي بالحزب الشيوعي في روسيا السوفييتية الذي ينظم لممثلي العمال اجتماعات وندوات تلاقي بشكل دائم نجاحات منقطعة النظير وأن تقوم بدورها بتنظيم اجتماعات عامة للعاملات والشغيلات والفلاحات والمستخدمات تناقش فيها حاجات ومطالب المرأة الكادحة، وأن تنتخب لجانا خاصة كفوءة تماما لمتابعة هذه المطالب. وعلى القطاعات أيضا أن تعمق في هذه الاجتماعات البحث في المسائل التي تثار بينها وبين اللجان المنتخبة من قبل العاملات. بالإضافة إلى هذا على القطاعات أن ترسل خطباءها للاشتراك في المناقشات التي تجري في اجتماعات الأحزاب الغريبة عن الشيوعية. إن الدعاوة والتحريض من خلال الاجتماعات والنشاطات المشابهة يجب أن يتبعهما تحريض مبرمج ومطول داخل البيوت نفسها، فعلى كل شيوعية مكلفة بهذه المهمة أن تقوم بزيارات منتظمة لعشر نساء على الأكثر بمعدل زيارة على الأقل كل أسبوع ولدى كل عمل مهم يقوم به الحزب الشيوعي والجماهير البروليتارية.

وعلى القطاعات أن تنشر الأفكار الشيوعية بشكل مبسط وملائم بواسطة توزيع الكراسات والبيانات « المناشير » التي من شأنها أن تحث الجماهير النسائية وتوحدها. وعلى القطاعات أن تتأكد من قيام النساء الشيوعيات باستخدام مؤسسات الحزب ووسائل التوعية العائدة له بالطرق الأكثر فعالية وأن تقيم المحاضرات والمناقشات وتدعو إليها الشيوعيات المتخلفات نسبيا والنساء الكادحات اللواتي لا يزلن في أول عهدهن بالنشاط الثوري وذلك بهدف تعميق وعيهن وشحذ إراداتهن. ويمكن أن تقام للعاملات، دون العمال، سهرات للمطالعة والمناقشة وذلك في بعض الحالات الخاصة.

ومن المرغوب فيه، كي تنمو روح الرفاقية بين العامل والعاملة أن لا تقام للنساء الشيوعيات مدارس حزبية خالصة، إذ من المفروض أن تقدم موضوعات حول العمل بين النساء في كل مدرسة من مدارس الحزب. ويحق لقطاعات الحزب النسائية أن ترسل عددا من ممثليها للمساهمة في مناقشة الموضوعات التي يطرحها الحزب.



6 - تنظيم القطاعات النسائية

تنظم لجان للعمل النسائي إلى جانب لجان المناطق والمقاطعات وإلى جانب اللجنة المركزية للحزب. يحدد الحزب عدد أعضاء القطاع، ويتمتع الحزب المنتشر في أكثر من بلد بالحرية الكاملة في تحديد عدد أعضاء القطاعات التابعة له وذلك حسب ظروفه الخاصة. المسؤولة عن القطاع يجب أن تكون في نفس الوقت عضوا في لجنة الحزب المحلية، وفي حال عدم تمكنها من الجمع بين المسؤوليتين، عليها أن تحضر جلسات اللجنة المحلية دون أن يكون لها الحق بالتصويت إلا على المسائل المتعلقة بالقطاع النسائي، ويكون حضورها بصفة استشارية في المسائل الأخرى. بالإضافة إلى المهمات العامة والتي سيرد ذكرها يجب على القطاعات واللجان النسائية أن تملأ الوظائف التالية: ربط مختلف القطاعات الموجودة في منطقة معينة بالقطاع المركزي. عقد اجتماعات يتم التعرف من خلالها على نشاط القطاعات واللجان العاملة في منطقة معينة وبين القطاع المركزي. إيصال خط الحزب إلى المناطق والمقاطعات البعيدة. توزيع القوى العاملة في مجال التحريض. وضع قوى الحزب العاملة في صفوف النساء في حركة دائمة. عقد مؤتمرات منطقية للنساء الشيوعيات مرتين في العام على الأقل ومؤتمرات لممثلات القطاعات، على أن تكون نسبة التمثيل من عضو إلى عضوين عن كل قطاع. وأخيرا عقد اجتماعات للعاملات والفلاحات غير الحزبيات.

يضم كل قطاع منطقي (في الأقاليم البعيدة) من خمسة إلى سبعة أعضاء، ويتم تعيين أعضاء المكتب (السكرتاريا) من قبل هيئة الحزب المسؤولة في المنطقة، وبحضور مسؤولة القطاع التي يتم انتخابها كسائر أعضاء اللجنة المنطقية، في مؤتمر الحزب المنطقي.

أعضاء القطاعات واللجان ينتخبون في المؤتمر العام للمدينة أو المنطقة أو الإقليم، ويمكن أيضا أن يتم تعيينهم من قبل الهيئات الأعلى مباشرة، كأعضاء في لجان تابعة للجان الحزب الرئيسية. تضم اللجنة المركزية للعمل بين النساء من عضوين إلى خمسة أعضاء بينهن متفرغة واحدة على الأقل.

إن مهمات لجنة العمل النسائي المركزية والتي تنفصل عن مهمات القطاعات المنطقية والتي سيرد ذكرها هي التالية: تقديم التوجيهات إلى المحليات والأعضاء العاملين فيها. مراقبة عمل القطاعات. تزويد هيئات الحزب في المناطق برفيقات من العاملات في صفوف النساء. مراقبة ظروف وتطور العمل النسائي على ضوء التحولات الاقتصادية والقانونية وأثرها على وضع المرأة. السماح لممثلي السلطة بحضور اجتماعات اللجان الخاصة التي تدرس التحسنات التي تلحق بوضع الطبقة العاملة وبمنظمات حماية العمل والطفولة... وغيرها. إصدار نشرة مركزية وجرائد دورية ووضعها في متناول العاملات. عقد مؤتمر لممثلات جميع الأقاليم مرة في السنة على الأقل. تنظيم رحلات للدعاوة عبر البلاد. إرسال متمرسين في العمل النسائي إلى قطاعات المناطق. دفع العاملات للاشتراك في الحملات السياسية والمطلبية التي ينظمها الحزب. إقامة صلة دائمة مع الأمانة العامة العالمية للنساء الشيوعيات. وإقامة احتفال سنوي بيوم العاملة العالمي.

إذا لم تكن المسؤولة عن القطاع النسائي التابع للجنة المركزية عضوا في هذه اللجنة، فإن لها الحق بحضور جلساتها، والتصويت على المسائل المتعلقة بالقطاع، أما بالنسبة للمسائل الأخرى فإن حضورها يكون بصفة استشارية. ويمكن للمسؤولة عن القطاع النسائي المركزي أن تعين من قبل اللجنة المركزية أو أن تنتخب من قبل المؤتمر العام للحزب. ولا تصبح قرارات اللجان النسائية نافذة إلا بعد موافقة اللجان الحزبية الأعلى مباشرة.



7 - العمل على الصعيد العالمي

إن قيادة عمل الأحزاب الشيوعية في كل البلدان، وتوحيد القوى العمالية، وتحقيق المهمات الملقاة على عاتق الأممية الثالثة، وحشد نساء كل البلدان وكل الشعوب في النضال الثوري من أجل سلطة السوفيات وديكتاتورية الطبقة العاملة على الصعيد العالمي، هي مهمات الأمانة العامة العالمية للنساء الشيوعيات والعاملة إلى جانب الأممية الثالثة.

إن عدد أعضاء اللجنة المركزية النسائية وعدد الأعضاء الدين يتمتعون بحق التصويت، يحدد من قبل اللجنة المركزية للحزب.



8 - قرار حول العلاقات بين النساء الشيوعيات في العالم وبين الأمانة العامة النسائية للأممية الشيوعية

(أقر في جلسة 12 حزيران بعد تقرير الرفيقة كولونتاي وتعديل الرفيقة زيتكين).

انطلاقا من توجيهات الأممية الثالثة يقترح المؤتمر العالمي الثاني للنساء الشيوعيات على الأحزاب الشيوعية في بلدان الشرق والغرب أن تنتخب بواسطة قطاعاتها النسائية المركزية مراسلات عالميات. إن دور مراسلة الحزب الشيوعي كما تعينه توجيهات الأممية الثالثة، هو إقامة علاقات منتظمة مع المراسلات العالميات للأحزاب الأخرى ومع الأمانة العامة العالمية النسائية في موسكو التي هي جهاز عمل اللجنة التنفيذية للأممية الثالثة. وعلى الأحزاب الشيوعية أن تزود المراسلات بكل الوسائل التكنيكية، وبكل الإمكانيات التي تسهل الاتصال فيما بينهن ومع الأمانة العامة في موسكو.

تجتمع المراسلات العالميات مرة كل ستة أشهر لكي تتبادل الآراء مع ممثلي الأمانة العامة العالمية للنساء. وتستطيع الأمانة العامة أن تدعو لعقد اجتماع المراسلات تبعا للضرورة وفي أي وقت كان.

وتقوم الأمانة العامة وبموافقة اللجنة التنفيذية وبالمشاركة الكاملة للمراسلات العالميات بتنفيذ المهمات التي حددتها توجيهات الأممية. وعليها بشكل خاص أن تناضل في كل بلد، قولا وفعلا، من أجل تنمية الحركة النسائية الشيوعية التي لا تزال ضعيفة، وأن تحدد اتجاها واحدا لسير هذه الحركة في بلدان الشرق والغرب، وأن تثير وتقود النشاطات الوطنية والعالمية التي من شأنها أن تقوي وتوسع النضال الثوري للبروليتاريا.

وعلى الأمانة العامة في موسكو أن تقيم جهازا مساعدا لها في أوروبا الغربية، بهدف إيجاد ارتباط أكثر وثوقا وانتظاما مع الحركات الشيوعية النسائية في كل البلدان. وستكون وظيفة هذا الجهاز القيام بالأعمال التحضيرية والمكملة لعمل الأمانة العامة أي أنه سيكون جهازا تنفيذيا صرفا وليس له الحق في تقرير ما يكون، فهو مرتبط بتوجيهات ومقررات الأمانة العامة في موسكو، وباللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية. وينبغي أن تقوم ممثلة واحدة على الأقل للأمانة العامة بمساعدة الجهاز المساعد والعامل في أوربا الغربية.

إذا ابتعد نشاط الأمانة العامة عن توجيهات الأممية تتدخل اللجنة التنفيذية للتصحيح من خلال علاقتها بهذه الأمانة، ويحدث الشيء نفسه بالنسبة لتركيب وشكل عمل الجهاز المساعد.



9 - قرار حول أشكال وأساليب العمل الشيوعي بين النساء

(أقر في جلسة 13 حزيران بعد تقرير الرفيقة كولونتاي)

إن المؤتمر العالمي الثاني للنساء الشيوعيات والمنعقد في موسكو يعلن:

إن انهيار الاقتصاد الرأسمالي والنظام البورجوازي المرتكز على هذا الاقتصاد، وبالمقابل تقدم الثورة العالمية، تجعل من النضال الثوري من أجل الاستيلاء على السلطة السياسية وتحقيق ديكتاتورية البروليتاريا، ضرورة حيوية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، بالنسبة لبروليتاريا البلدان التي لا يزال يسود فيها هذا النظام، كما أنها تجعل من هذا النضال، واجبا لا يمكن تحقيقه إلا بالمشاركة الواعية والجريئة والمخلصة للجماهير النسائية.

في البلدان التي تمكنت فيها البروليتاريا من الاستيلاء على جهاز الدولة وإقامة ديكتاتوريتها على شكل السوفياتات، كما في روسيا وأوكرانيا، لا يمكن للبروليتاريا أن تباشر في توطيد مواقعها ضد الثورة المضادة في الداخل والخارج، وأن تشرع في بناء الشيوعية، طالما أن الجماهير النسائية لم تع بشكل واضح وثابت، أن الدفاع عن النظام الجديد هو في صميم مهماتها أيضا.

ومن هنا فإن المؤتمر العالمي الثاني للنساء الشيوعيات انسجاما منه مع مبادئ ومقررات الأممية الثالثة، يقترح على الأحزاب الشيوعية في كل البلدان أن تتبنى مهمة إيقاظ الجماهير النسائية، وتوحيدها وتثقيفها بروح الشيوعية، وأن تضمها إلى صفوف الأحزاب الشيوعية، وأن تشحذ بثبات وعزم إرادة هذه الجماهير على العمل والنضال.

ولبلوغ هذا الهدف على الأحزاب المنتمية إلى الأممية الثالثة أن تشكل إلى جانب جميع أجهزتها ومؤسساتها الدنيا منها والعليا، أن تشكل قطاعات نسائية يقودها أحد أعضاء قيادة الحزب، وذلك بهدف تحريض وتنظيم وتوعية جماهير العاملات اللواتي سيكون لهن ممثلات في كل الهيئات القيادية للحزب.

القطاعات النسائية لا تشكل تنظيمات مستقلة، فهي ليست إلا أجهزة عمل مهمتها تحريك العاملات وتوعيتهن بهدف الاستيلاء على السلطة السياسية وبناء الشيوعية، وهذه القطاعات تعمل في كل المجالات وفي كل الأوقات، تحت إشراف الحزب، ولكنها تتمتع بحرية الحركة الضرورية لإنشاء مؤسساتها التي تراعي الخصائص المميزة للمرأة ووضعها الخاص الذي لا يزال قائما في المجتمع والأسرة.

على الأجهزة النسائية أن تعي دائما وفي كل نشاطاتها الغاية من وراء تحقيق مهمتها المزدوجة التالية:

1 - حشد المزيد من الجماهير النسائية الأكثر وعيا والأكثر تصميما على المشاركة في نضال الطبقة الثورية وفي نضال كل المضطهدين والمستغلين ضد الرأسمالية ومن أجل الشيوعية.

2 - بعد انتصار الثورة البروليتارية، ينبغي جر الجماهير النسائية للمشاركة ببطولة ووعي في بناء الشيوعية. وعلى الأجهزة النسائية في الأحزاب الشيوعية أن تأخذ بعين الاعتبار أن وسائل التحريض والتوعية ليست في الكتابات والأحاديث بل في إتباع الوسائل التالية: إشراك النساء الشيوعيات في كل مجالات نشاط الأحزاب الشيوعية، وإشراك العاملات في كل أعمال ونضالات البروليتاريا الثورية من إضرابات وتظاهرات وعصيانات وانتفاضات مسلحة.