‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفات مع سارتر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفات مع سارتر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 12 مارس 2013

دور المثقفين في المجتمع المعاصر



اضاءات حول محاضرة:
 " دور المثقفين في المجتمع المعاصر"



 "مر على المحاضرة 40 عاماً ,ماذا تغير منذ ذلك الحين و مالذي تحقق! "


*جان بول سارتر 1967م بــ جامعة القاهرة
من كتاب : سارتر و الفكر العربي المعاصر


دور المثقفين في المجتمع المعاصر هو عنوان المحاضرة التي ألقاها جان بول سارتر في جامعة القاهرة، في الرابع من مارس عام 1967، و نشرتها مجلة الطليعة في ملف خصصته عنه في أبريل من ذات العام، و أعادت نشرها مجلة أوراق فلسفية في عددها الرابع عشر عام 2005. إذاً اختار سارتر أن يلقي على المصريين الذين اعتبرهم آنذاك مجتمعاً ثوريا، محاضرة في دور المثقف، و تشاء المصادفات أن يكون ذلك قبيل النكسة. و لنكن أكثر تحديداً، فقد اختار سارتر أن يتحدث عن دور المثقفين في المجتمع البرجوازي الذي نشأ فيه، و تأسف لأنه لا يستطيع أن يتحدث عن دور المثقف في المجتمع الثوري الذي يتحدث إليه. و يا لها من مفارقة، فها نحن المجتمع الثوري في نظر سارتر أيام 1967، قفزنا حوالي أربعين عاماً...فماذا أصبحنا؟
هل نحن مجتمع برجوازي كالذي تحدث سارتر عن مثقفيه و دورهم؟ ربما تساعدنا العودة إلى بعض تفاصيل محاضرة سارتر في الإجابة على هذه الأسئلة، أو طرح المزيد منها. لقد بنى سارتر محاضرته على التفرقة بين رجل العلم و المعرفة و المثقف. هذا المثقف الذي لا ينظر له بارتياح من الطبقة الحاكمة، و كذلك تنظر له الطبقة الكادحة بريبة و شك، مع احترامها له كرجل علم و معرفة. فالمثقف كما يراه سارتر هو ذلك الكائن دائم المعارضة والنقد، يتدخل فيما لا يخصه في نظر السلطة مستغلاً شهرته و تأثير أعماله. و يبدأ سارتر بضرب أمثاله للدلالة على قوله، فعالم الأبحاث النووية الذي يخدم القوة الإمبريالية، يظل عالماً لا مثقفاً، إلى أن يشترك مع علماء آخرين في التوقيع على بيان يدين استخدام الدولة لأبحاثه في أغراض غير إنسانية. هنا فقط يتحول إلى مثقف. فالمثقف رجل معرفة ، لكنها معرفة عملية. المثقف هو ذلك العالم أو الطبيب أو القانوني أو الفنان...إلخ، الذي يسعى لتكوين نفسه حين يعي التناقض داخل مجتمعه البرجوازي، ثم يقوم بالاختيار. و هناك من رجال العلم و المعرفة من يدركون التناقض، لكنهم يسعون لإخفائه مع السلطة الحاكمة، و هنا يختار رجل العلم أن يصبح من كلاب الحراسة بحد وصف سارتر، الذين يعيشون القلق و التناقض و عدم الرضى، لكن لا يجعلون هذه العناصر تعمل داخلهم و تغيرهم. و هذا يعود بنا إلى مقولات سارتر الأساسية التي يعرفها كل دارس فلسفة، هذه المقولات التي تنبني عليها مثل هذه المحاضرة، و غيرها من قصص و مسرحيات و روايات و مقالات و أحاديث سارتر. فرجال العلم و المعرفة من البشر، الذين عرفهم سارتر بأنهم موجودات لذاتها، تكون أسبقية الوجود لديها على الماهية، أي توجد أولاً ثم تتحدد ماهياتها عن طريق أفعالها. و لا يترك سارتر الإنسان عرضة للتأويل، فقد قرر عبر الفكرة المركزية في الفلسفة الوجودية، و هي الحرية، أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، و من ثم فرجل العلم محكوم عليه بالحرية، و لا يوجد ما يجبره على أن يصبح من كلاب الحراسة بدلاً من أن يكون مثقفاً. لكن سارتر يدرك هذه المرحلة المضطربة القلقة لدى رجل العلم و المعرفة، التي يمكننا أن نطلق عليها مرحلة انتقالية أساسية. لكن من أين يأتي التناقض؟ و علينا أن نتذكر هنا أن حديث سارتر كان عن مجتمعه الغربي البرجوازي، لقد ضرب سارتر مثلاً ذكياً للغاية، مستمداً من تاريخ اليابان، حين تم الإصلاح الكبير، أو حين قرر حكام اليابان صنع بلادهم و إصلاحها من أعلى، فضحت الطبقة الحاكمة ببعض الإقطاعيين، لدفع عجلة الاقتصاد ببعض رؤوس الأموال. و وجدت الطبقة الحاكمة نفسها تواجه مسألة ملحة، و هي أهمية وجود كوادر من المهندسين و الفنيين و غيرهم، و من هنا كان لابد من إصلاح في وسائل التربية و التعليم، هذه الوسائل التي كانت ترسخ تربية الشعب على عبادة الإمبراطور و التضحية من أجله، فأمسك أحد وزراء التربية و التعليم بالعصا من المنتصف، و قرر أن تكون تربية الأطفال في حدود المبادئ التقليدية المتعارف عليها، التي ترسخ الانصياع للأسلاف، إلى أن يشب الطفل و يصل للجامعة، و هنا تكون التربية علمية تماماً، سيدرس الطالب الفيزياء و الرياضيات و الأحياء. أي أن النظام الأول الذي يطبق في الطفولة التي يصعب الإفلات من تاثيرها يعلم الخضوع الكامل، و الثاني إن شاء الفرد أم أبى سيؤدي به إلى الحرية. الملفت للنظر في هذا المثال الذي يطرحه سارتر هو أن الاخوة اليابانيين لم يلجأوا في حل مشكلتهم في الإصلاح إلى خبراء أجانب. و ينتقل سارتر إلى حرية الفكر، هذه المقولة الملتبسة لدى كثيرين، فحرية الفكر هنا لها معنى محدد: " ليس حرية التفكير في أي شيء بل حرية البحث. إنها حرية تقدم الشيء عما اكتسبه الفكر من تجارب، مما يتمشى و يتجاوب مع رفض مبدأ السيادة". فالعالم و رجل المعرفة سيضطر على مضض لاستعمال الحرية، حيث ستأتي إليه التناقضات بنفسها، و لن يسعى هو إليها، فقط عليه أن يتركها تكونه و تدفعه. و يضرب سارتر مثلا معبراً هنا بـ " ميكلسون" و " مورلي"، حين أرادا أن يقيسا سرعة الضوء في بداية القرن العشرين، و لم يفكرا و لو للحظة في نقض نظرية نيوتن، التي قاما بالقياس في نطاقها. لكن التجارب التي قاما بها لأكثر من مرة ، لم تترك لهما مجال شك، فقد أثبتا أن سرعة الضوء باقية على ما هي عليه، سواء اقترب الشيء المضاد من المرآة أو ابتعد عنها. فهما كرجلي علم كان عليهما أن يقوما بنقض العرف العلمي، لا نتاج نزوة عابرة، و إنما لنقض العرف العلمي لذاته. و هكذا يعلمنا سارتر قبول النقض حينما ينقض الشيء نفسه، و يصبح استمراره عبثاً. و من هنا على العالم أن يكون حر الحركة، هذه الحرية العملية، لما يقتضيه العلم. و هذا العلم له طابع شامل و كلي، فكل إنسان مهما كانت معرفته ضئيلة يمكنه أن يكون عالماً، و استند سارتر في ذلك على تجربة سقراط، الذي عرف منهجه الفكري الفلسفي بالتوليد، فقد دفع سقراط بأحد العبيد ليكتشف البرهان على نظرية من النظريات عبر نقله من جملة لأخرى و استنتاج لآخر، حتى وصل العبد للبرهان الرئيسي. و هنا يضرب سارتر عرض الحائط بفكرة صفوة العلماء، فالعالم هو أخصائي في البحث الذي يستطيع أي إنسان أن يتوصل إليه إذا توفرت له أسباب التخصص. أما نظريات عالم الفن التي تقرر أن بعض المؤلفات التي تتسم بالرقة والحساسية النادرة، ليست موجهة إلا لمن يتميزون بذات المستوى من الرقة والحساسية، و عليه فإن ما يتردد بأن المؤلفين والقراء يمثلون فئة أعلى من غيرهم، فهو قول لا يقنع سارتر و لا يعترف به، و دلل عليه بكتابات "ستاندال" الذي صرح بنفسه بأن مؤلفاته للمختارين، و تحولت بعد ذلك إلى كتب للجيب يقراها الملايين. و من هنا يتحدث سارتر إلى الفنانين و الكتاب، و يقول إن من يتصور نفسه صاحب طبيعة خاصة فهو مخطئ. و بغض النظر عن اتفاق البعض مع مقولات سارتر تلك أو اختلافهم معه، أو محاولة البعض الآخر اكتشاف إلى أي حد كان سارتر متناسقاً أو متنافراً مع مقولاته، فإن سارتر قد بنى على المذكور سابقاً جملته المهمة: " إذا ما أخذ يفكر العالم أن غالبية الناس ليسوا مؤهلين للحكم على الأشياء أو رفضها لأنهم لا يستطيعون إدراكها فهو يمس بحكمه هذا صميم الطابع الكلي الشامل للعقل". و كان من المنطقي أن ينتقل سارتر إلى فكرة العنصرية، فلا يجوز للإنسان أن يكون عالماً و عنصرياً في نفس الوقت.
لكن العالم قد يتحول عنصرياً لسبب واحد، و هو العمل على خدمة من يمدونه بالأجر. فعلى العالم أن يرفض العنصرية، أي يرفض فكرة تفاوت المستويات الذهنية بين الأجناس البشرية. و قد طالب سارتر في محاضرته برفض كل أنواع التمييز، كذلك طالب بوحدة الفكر مرة أخرى، تلك التي إن لم تتحقق على مستوى كافة البشر، فعليها أن تتحقق بين العلماء. و يعود بنا سارتر إلى هؤلاء الأطفال اليابانيين، الذين سيخضعون لتربيتين مختلفتين، أحدهما في الطفولة و الأخرى في الشباب أثناء التعليم الجامعي، و يجعلنا نتصور كم التناقضات التي ستفور في الصدور، و الإضرابات التي تتكون في المرحلة الانتقالية، حيث يصبح العالم آلة في يد الطبقة الحاكمة التي صنعته، و ينشأ بينه وبينها صراع أكيد، بل ينشأ الصراع بالأساس بين نصفيه المتلاحمين، ذاك الذي تربى على الخنوع، و الآخر الذي استنشق الحرية مع المعرفة، و يدرك أنه نتاج طبقة متميزة عن باقي الشعب، و يمثل أحد انعكاسات هذه الطبقة، لكن عليه أن يصبح خادماً حراً للعلم لا للطبقة التي صنعته. و بالقياس فعلى العالم في أي مكان أن يرفض عبوديته لمن يدفع له. و في هذا المستوى من الصراع تحديداً يظهر المثقف أو لا يظهر، و هذه المرحلة لدى سارتر يطلق عليها "المرحلة الثقافية"، فعلى العالم أن يختار بين هذا الخنوع الذي تربى عليه، و بين مهنته وهي العلم. أي يختار بين كلاب الحراسة و بين أن يكون مثقفاً. و إذا اختار الثانية فعليه أن يمارس عملاً صعبا في ذاته، حيث عليه أن يرفض العنصرية و الامتيازات، بل و يرفض فكرة إنه إنسان خارق و متميز. و يصف سارتر المثقف في وقته بالمخلوق الغريب، و بناء على مقولات سارتر، فهذا الوصف يتم إطلاقه تجاوزاً. فهذا المخلوق الغريب هو الذي يقف بجانب الطبقة الحاكمة التي كونته، و تنظر إليه الطبقة الكادحة حينها بارتياب ، لأن حالته تجعله مشاركاً لأصحاب السلطة، و يمثل جزءاً من فائض القيمة. لقد استشهد سارتر بعمال بناء السد العالي، حينما سألهم عن سبب فرحتهم في لحظة تغيير مجرى مياه النيل، التي شاهدها في فيلم تسجيلي، فأجابه أحدهم بأن هذه الملايين من الفدادين التي سيتم استصلاحها بالمياه، سيعود أثرها على المجتمع بأسره. و علق سارتر بأن تخطي العامل لذاته لا يحدث في الدول الرأسمالية و لا البرجوازية. لكن الثقافة البرجوازية برأي سارتر تجثم على الصدور. و يستمر سارتر في بيان الارتباط بين العلم و العمل لدى المثقف، و يمكننا أن نستمر في عرض محاضرته و تحليلها إلى نهايتها، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هو، هل تجاوزنا في بلادنا تلك المرحلة الثقافية التي أشار إليها سارتر في محاضرة ألقاها وسط مجتمع مصر الذي وصفه بالثوري منذ حوالي أربعين عاماً، مما يؤهلنا لتتبع العلاقة لدى المثقف بين العلم و العمل؟ و أي مسمى يمكننا أن نطلقه على المرحلة التي يعيش فيها اليوم كل من المثقف الحقيقي، و المثقف الذي تطلق عليه هذه الصفة تجاوزاً، بل المرحلة التي يعيش فيها المجتمع بأسره؟ ربما تكون هذه الأسئلة هي الأجدر بالطرح حين نستعيد سارتر في مئويته، و معه نستعيد تلك المحاضرة التي ألقيت في قلب القاهرة...في جامعتها.

حوار سارتر مع الرئيس جمال عبد الناصر1967


حوار سارتر مع الرئيس جمال عبد الناصر1967
-      

    من كتاب "سارتر و الفكر العربي المعاصر "
-          تحرير : أحمد عبدالحليم عطية
ص180 إلى ص190

في يوم 9مارس 1967 كان " جمال عبد الناصر " يستقبل زائرين هما الفيلسوف الفرنسي الشهير " جان بول سارتر " ومعه الكاتبة الفرنسية الكبيرة "سيمون دي بوفوار". كان جمال عبد الناصر مهتما بلقاء "سارتر" و "دي بوفوار" وهما وقتها طليعة حركة التجدد الثوري في فرنسا وفى أوروبا فضلا عن أن "سارتر" كان مؤسس المدرسة الوجودية في الفلسفة وكانت "سيمون دي بوفوار " حليفه الضخم في معركة إعادة اكتشاف وتجديد حيوية المجتمعات الأوروبية في فترة منتصف الستينات وما حولها . وفى نفس الوقت كان "سارتر" و "دي بوفوار" متشوقين للقاء "جمال عبد الناصر" ويظنان أن لديهما الكثير يقولانه له ويسمعانه منه .

وتسجل الصفحة الأولى من محضر الاجتماع ترحيب " جمال عبد الناصر " بالاثنين ثم قول " سارتر " انه رأى السد العالي وزار الأرض الجديدة المستزرعة على مياهه كما شاهد المجتمعات السكانية الجديدة التي تقدمت إلى الحياة بعد تراجع الصحراء . ثم أضاف انه لم يكن يعرف الكثير عن الثورة المصرية ، وما كان يعرفه كان أكثره – بصراحة – من مصادر إسرائيلية أو غربية قد تكون معادية لمصر . بل انه يستطيع أن يشهد بهذا العداء بعد أن رأى ما رأى في مصر . لكنه يرى من واجبه أن يثير إلى جانب هذا موضوعا أخر يتعلق بحقوق الإنسان . فمنذ وصل إلى مصر تلقى في فندقه عددا من الخطابات يشكو له أصحابها من ضغط واقع عليهم . وبدأ " جمال عبد الناصر " يتحدث .

وتسجل الصفحة الثانية من المحضر قوله لـ "سارتر" : "إنني في حاجة إلى أن اطلب من أجهزة الأمن أن يبحثوا لي عن مرسلي هذه الخطابات إليك فأنت وأنا نستطيع أن نتصور نوع الناس الذين يعرفون في مصر عنك وعن السيدة سيمون بالطبع إنهم الطبقة التي تقرأ الفرنسية أو تقرأ غيرها من اللغات الأجنبية وتتابع الأدب العالمي . وأنا لا ألومهم إذا وجدوا سببا لان يكتبوا إليك . أستطيع وتستطيع معي أن تقطع إنهم من كبار الملاك السابقين وقد حددنا ملكياتهم ولا أظنهم يحبون ذلك أو يقبلونه وهم لا يستطيعون وقف حركة الثورة . وبالتالي لا مانع عندهم من أن يشتكوا إلى كل من يتصورون انه قادر على سماع صوتهم وعلى إسماعه . فهذه هي الطبيعة الإنسانية وأنا افهمها ولكني في الوقت الذي أرى فيه دموع الأغنياء لابد أن أتذكر قهر الأغلبية التي كانت غريبة في وطنها لا تملك فيه شيئا ".
وتسجل الصفحة الثالثة من المحضر قول "جمال عبد الناصر" لـ "سارتر" و"دي بوفوار" : "إن الناس بالطبيعة محافظون والملكية غريزة طبيعية في الإنسان ، فإذا أردت أن تقوم بتغيير في أوضاع الملكية فانك لا تصطدم فقط بالغريزة الطبيعية لدى الذين تمسهم إجراءاتك فحسب ، وإنما تصطدم بالغريزة الطبيعية لكثيرين ليسوا الآن من كبار الملاك لكنهم يحلمون أن يصبحوا كذلك في يوم من الأيام " .
وتسجل الصفحة الرابعة من محضر الاجتماع قول " جمال عبد الناصر " لـ "سارتر و "دي بوفوار" : " إن مرحلة الانتقال من مجتمع تسيطر فيه القلة على مجتمع تتحقق فيه عدالة التوزيع عملية في منتهى الصعوبة ، كما أن مرحلة الانتقال هذه هي اخطر المراحل في حياة المجتمعات لان التنظيم القديم للمجتمع يكون قد تهاوى، وفى نفس الوقت لا يكون التنظيم الجديد لهذا المجتمع قد قام بعد".
وتدخلت " سيمون دي بوفوار " في الحديث فسألت عن تعليم المرأة وتعدد الزوجات وتأثير الدين في حياة المجتمع ، ثم أضافت إلى هذه الكتلة من الأسئلة سؤالا أخر عن مشكلة زيادة عدد السكان .
وتسجل الصفحة التاسعة من محضر الاجتماع عن " جمال عبد الناصر " وسارتر ودى بوفوار عند سفح الهرم قوله لـ " سيمون دي بوفوار ": " أنني لا أريدك أن تأخذي بمقولة أن الإسلام يمكن أن يكون عائقا للتطور فميزة الإسلام في رأيي انه دين مفتوح على كل العصور وكل مراحل التطور . وأنا دائما انقل عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوله داعيا الناس للاجتهاد إزاء مستجدات العصور " انتم اعلم بشؤون دنياكم ". وبالنسبة لتعدد الزوجات فانا لا أرى أن الإسلام يتركها رخصة مفتوحة وإنما هي رخصة مقيدة بشروط تجعل التعدد صعبا بل تكاد تجعله مستحيلا والدليل على ذلك ما نراه عمليا أمامنا ومؤداه أن ظاهرة تعدد الزوجات تتلاشى تدريجيا في المجتمع المصري .
وأما عن تعليم المرأة ، وأنا اعتبره الأساس الحقيقي لحريتها فسوف اطلب من مكتبي أن يبعثوا إليك بإحصائيات عن عدد "البنات" في مراحل التعلم المختلفة، وكذلك في مجالات العمل في مجتمع المدارس والجامعات الآن أكثر من مليون فتاة وفى مجالات العمل المختلفة الآن حوالي 2 مليون سيدة تعمل . وفى رأيي أن هذه حركة التطور حية ومرئية وأنا اعرف أن بعض المشايخ قد يقفون على منابر مساجدهم ليقولوا كلاما أخر ولكن كلامهم في اعتقادي غير مؤثر لان ضرورات التطور أقوى من كل ما يقولون . أما بالنسبة للزيادة في عدد السكان فانا اعرف أنها مشكلة قائمة فهناك زيادة سنوية في عدد السكان تقدر بـ 800 ألف. وفى أول الثورة كان تعدادنا 22 مليونا واليوم نحن 31 مليونا".
وتدخل " سارتر " في المناقشة ليقول انه لابد من أن حل على مستوى الدولة لهذه المشكلة واستطرد " جمال عبد الناصر " مستكملا عرض رأيه قائلا : "تستطيع أن تقوم بحملات دعائية كما تشاء ، ونحن أقمنا لجانا لتنظيم الأسرة في كل المدن والقرى ، وفى رأيي أن الحل الحقيقي ليس في أي حملات دعائية الحل الحقيقي في زيادة الإنتاج عن طريق استصلاح الاراضى والتصنيع ، وكذلك فان التعليم في رأيي هو أهم عنصر لأنه يبدو لي من الإحصاءات أن أبناء المتعلمين اقل من أبناء غير المتعلمين . فالمتعلم ينظم حياته على أساس موارده وأما غير المتعلم فيترك المسائل للمصادفات " .

ومرة أخرى قاطعه " سارتر " قائلا : " إن واحدا من المحافظين قال لي أن المشكلة مشكلة كهرباء ، فعندما يتم استكمال مشروعكم لكهربة الريف يدخل التليفزيون على أوسع نطاق ، وسيكون من اثر هذا أن الناس سيجدون شيئا أخر يسليهم غير ممارسة إنجاب الأطفال " .ومضى " جمال عبد الناصر " يستكمل حديثه ضاحكا وقائلا لـ "سارتر": "لكن المشكلة انه حتى إذا عممنا التليفزيون فان برامجه تنتهي في الساعة الحادية عشرة والنصف وبعدها فان الليل طويل . ولا يزال تقديري أن التعليم وزيادة الإنتاج تقدم أحسن وسائل للحل . على سبيل المثال كان عندي عشر أخوات ، واحد أصدقائي وهو الماريشال "عامر" كان عنده 13 أخا – ولكنني الآن عندي خمس أولاد . وأتصور أن أيا من أبنائي سوف يجد من الصعب عليه أن يكون عنده أكثر من اثنين أو ثلاثة " .

وتسجل الصفحة 28 من محضر الاجتماع حوارا بين "جمال عبد الناصر" و "سارتر" جرى على النحو التالي :

سارتر: "إن اليسار في أوروبا لا يستطيع أن يفهم موقفكم من حل الحزب الشيوعي المصري . لقد سمعنا أن هذا الحزب قد حل نفسه بنفسه ولا نتصور أن حزبا شيوعيا يتخذ مثل هذا الإجراء إلا تحت الضغط " . جمال عبد الناصر :" أي يسار في أوروبا هذا الذي تتحدث عنه ؟ هل هو يسار الاشتراكيين في فرنسا الذين يقودهم جى موليه والذين رأيناهم متواطئين في العدوان علينا سنه 1956 مع الاستعمار البريطاني ومع "إسرائيل" ؟ سارتر : "أنا لا اقصد موليه ولا اقصد الاشتراكيين الفرنسيين . الاشتراكيون الفرنسيون ضيعوا كل اختياراتهم التاريخية وانتهى بالتحالف مع اليمين ولذلك فإنهم خانوا " . جمال عبد الناصر :" الحقيقة أنني أسائل نفسي كثيرا هذه الأيام عن معنى هذه التعبيرات التي نستعملها بما فيها تعبير " الاشتراكيين " هذه التعبيرات في رأيي تحتاج إلى صياغات جديدة وعلى أي حال فسأعود إلى سؤالك نحن لم نمارس أي ضغط على الحزب الشيوعي لكي يحل نفسه وأظن أن عناصر كثيرة في هذا الحزب اكتشفت بالتجربة أن قضايا التطور تحتاج إلى تفكير جديد . هل أنت شيوعي ؟".
سارتر :"إنني ماركسي ولكني لا انتمى تنظيميا إلى حزب ". جمال عبد الناصر:" إنني مستعد أفهمك وأنا بالفعل افرق بين الماركسية والحزب الشيوعي . الماركسية فكر يطرح نفسه على الناس ويؤثر فيهم بقدرته على الحوار وإيجاد حلول لقضايا التطور والتقدم . وعندما تتحول الماركسية إلى حزب شيوعي فأنها تتحجر لأنها تدخل في قالب تنظيمي لا يسمح بالمراجعة والتجديد وإنما يوجه همه إلى التجميد والسعي للحصول على السلطة وبما أن الشيوعيين أقلية فإنهم يلجأون إلى العمل السري والى تنظيمات ما تحت الأرض شأنهم في ذلك شأن أقصى اليمين . ومع ذلك فانا أريد أن أسألك لماذا تسألني عن الحزب الشيوعي وحده ؟ إنني أفكر في تعددية من نوع جديد ولم اعثر على الصيغة الملائمة بعد . والحقيقة إنني أخشى من الحزبية فلو أبحنا الحزبية الآن وفى ظل الحرب الباردة التي تجرى على الساحة العالمية الآن لوجدتني على الفور أمام حزب شيوعي موال لروسيا وحزب رجعى موال للأمريكان وربما حزب ديني يؤدى قيامه إلى فتنه دينية في البلاد . ولهذا فالقضية في رأيي اكبر من الحزب الشيوعي". سارتر: "إنني لاحظت أن الرئيس وضع " إسرائيل " في نفس الصف مع الاستعمار البريطاني وقوى اليسار الفرنسية التي خانت رسالتها وهذا يعقد الأمور في الشرق الأوسط ".
جمال عبد الناصر : " الذي يعقد الأمور ليس إنني أضعهم في هذا الصف أو ذلك ولكن الذي يعقدها فعلا هو "إسرائيل" . لا يمكن لأي جماعة من الناس أن ينقضوا على بلد ويأخذونه لأنفسهم ويحولوا سكانه الأصليين إلى مواطنين من الدرجة الثانية ، الذي يعقد الأمور هو ضياع الحقوق العربية في فلسطين . بعض الناس يتصورون أن هذا الجيل من الشعب الفلسطيني تعود على ضياع وطنه وانه يموت أو يكاد يموت . وينسون في هذا أن جيلا جديدا سوف يظهر جيل لا يشعر بالضياع ولا يشعر بالمهانة وهذا الجيل سوف يقاوم ليحصل على حقوقه الإنسانية أولا ثم الوطنية وهكذا والشئ الثاني الذي يعقد الأمور في موضوع "إسرائيل" ليس تصنيفا لها ، وإنما علاقتها بالولايات المتحدة وهو موضوع يدفع المنطقة الآن إلى حافة الحرب فـ "إسرائيل" تريد التوسع وتريد أن تفرض هذا التوسع بالقوة وهذا معناه الحرب" .

سارتر :" هناك مجموعات في " إسرائيل " خصوصا من اليسار يتفهمون قضية الشعب الفلسطيني ".
جمال عبد الناصر : "الموضوع ليس موضوع مشكلة تفهم وإنما الموضوع يتلخص في مشكلتين : المشكلة الأولى الهجرة لـ " إسرائيل " باستمرار الهجرة لن تتسع " إسرائيل " للقادمين إليها وستلجأ للتوسع وهذا يؤدى إلى الحرب والمشكلة الثانية انه إذا كان هناك من يتفهم مشكلة الشعب الفلسطيني كما تقول من عناصر اليسار الاسرائيلى فلا أظن أن لديهم ما هو أكثر من الألفاظ والتعاطف بها ببساطة لان أهم حقوق الفلسطيني هي حق العودة فإذا عادوا فسيصبحون أغلبية وعندئذ تذوب فكرة دولة " إسرائيل ".

وتسجل صفحة 48 من محضر الاجتماع ردا لـ " جمال عبد الناصر " على سؤال وجهه إليه " سارتر " عن القضية التي تشغله الآن أكثر من غيرها وكان قوله : "العالم كله يحاول إخراج الشباب من السياسة ويحاولون الهاءهم بأنواع من الرقص الجديد ويحولون اهتمامهم إلى الرياضة وأنا أرى ذلك خطرا كبيرا(*) القضية التي أتمنى لو استطعت أن أركز عليها هي أن يشعر الشباب أن السياسة هي عملية صنع مستقبله وان اهتمامه بها ومشاركته فيها هما اكبر ضمانات المستقبل . ما أراه في الاتحاد السوفيتي وما أراه في غيره يجعلني اقلق لان الأجيال القديمة تحجب أجيالا جديدة عن المشاركة وهذه مشكلة فإذا حجبنا الشباب عن العمل السياسي تتوقف حيوية الأنظمة ويزداد الاعتماد على عناصر القوة في المجتمع مثل الجيش مثلا . وهذه ليست وصفة مضمونة لحماية التطور ".