الخميس، 10 يناير 2013

شعراء من روسيا "قصائد مترجمه"



آنا أخماتوف "غورنيكا"

ولدت قرب أوديسا، في عائلة مهندس بحري. في مرحلة البدايات الابداعية أنشدت اخماتوفا إلى "آكميزم" – تجمع أدبي "ديكادنسي" – كان يدعو إلى الفردية و "الفن الصافي"، والغياب الصوفي. ولكن شعر اخماتوفا تفرد عن هذا الاتجاه – وإليه ينتمي شعراء كبار- بأن حمل في ذلك الوقت بالذات العمق والاحساس بقضايا المحيط، مما جعله يبدو بعمقه أوسع من هذه المدرسة الأدبية. عالم احساسات وجدانية عميقة ومعقدة يظهر في شعر اخماتوفا، ويتأكد بالتحديد الواضح للموضوعات والأشياء، عبر شكلٍ شعري متألق، يحمل في داخله الحقائق النفسية العظيمة، وبوسائل لغوية بسيطة ومنطقية (مجموعتها الشعرية "المساء" على سبيل المثال).

ان موضوعة الوطن، تحتل حيزا كبيرا عند اخماتوفا في مجموعتها: "القسم" ، "رجولة"، "الأرض-الأم".
تعتبر اخماتوفا رائداً في الشعر الروسي – السوفييتي المعاصر.


تضعف الذكريات عن الشمس
في القلب ،
والعشب يصّفر ،
والريح تعبث بندف الثلج الطعينة
رويدا رويدا .
وفي القنالات الضيقة يتصقع الماء،
فلا يندفع التيار .
وهنا – وفي كل الأوقات – ما من شيء يحدث
آهٍ ، ما من شيء يحدث ،
في كل الأوقات !
ربما كان من الأفضل أن لا أكون زوجتك * .
فالذكريات عن الشمس
تضعف في القلب
والعب يصفر
ما هذا ؟ هي الظلمة ؟
هل هذا ممكن !
أن يستطيع الشتاء ادراكنا بليلةٍ واحدة



1911
***
لتلك التي تودع اليوم غاليها ،
دعي الألم يتغلغل في القوة
لأننا أقسمنا بالأطفال
وأقسمنا بالمقابر
بأن لا أحد يستطيع اجبارنا على الانحناء


1941




***

رجولة

نحن نعلم بالذي يقع اليوم على الجميع ،
وبالذي يحدث الآن
ونعلم بأن زمن الرجولة قد حان في ساعاتنا .
وبأن الرجولة لن تغادرنا .
وما من خوفٍ على الأموات الراقدين تحت وابل الرصاص ،
وليس مراً أن نبقى دون دم 
لأننا سنحافظ عليك أيتها اللغة الروسية
أيتها الكلمة الروسية العظيمة.
حرةً ، نظيفةً سنأتي بك ،
وللأحفاد نعطيك
ومن الأسر نحميك
وإلى الأبد !
1942


***


ليل الواحد والعشرين .
الاثنين .
عاصمةٌ مرسومةٌ في العتمة ، هناك
حيث ألف رجلٌ مكسالٌ أغنيةً :
بأن الحب ما زال ممكناً على الأرض.
وبسبب الكسل
وبسبب الملل
وثق الجميع بذلك وصاروا هكذا يعيشون:
ينتظرون موعداً،
يخافون فراقاً ،
ويغنون أغاني الحب.
لكن ثمة من اكتشف سراً.
دفنه..
وغطاه بالصمت...
والمصادفة وحدها كشفت غطاء السر.
ومنذ ذلك اليوم
وحتى الآن
وكأن في كل الأشياء ما يؤلم .
1917



* اخماتوفا كانت زوجة الشاعر غوميلوف، والذي أعدم فيما بعد لنشاطه الفعال ضد الثورة.





صموئيل مارشاك
1886 – 1964




ولد صموئيل ياكوفلوفتش مارشاك في مدينة "فارونج" لأب يعمل في الميكانيك.
يتميز شعر مارشاك بموضوعاته المتنوعة، ولغته الغنية الصافية، وبالتحكم في الشكل الشعري. ومن خصائص شعره، أيضاً، الفرح بالحياة، الفكاهة، وتحديد نهاية الموضوعات.
في قصائد مارشاك الوجدانية تظهر موضوعتان أساسيتان: الزمن والكلمة (مجموعاته) "قصائد عن الحرب والسلم" ، "الدفاتر الوجدانية" ، "الساعات والثواني".
يعتبر مارشاك من مؤسسي أدب الأطفال السوفييتي، ومن أشهر المترجمين السوفييت. ومن أهم ترجماته كانت لبيرنس، شكسبير، بايرون، هايني، بيتوفي...

***
الزمن هو الثمين في الزمن.
والزمن قليلٌ وكثيرٌ .
والزمن الطويل ليس زمناً
اذا حملّته اسماً .

***


إلى شاعر ناشئ

لماذا يا صديقي تعلن للقارئ
عن أعوام الشباب ؟
ذاك الذي لم يبدأ ليس شاعراً
ومن بدأ الشعر لم يعد مبتدئاً

إلى مترجم

من الخيِّر أن تكون ملماً باللغة الغريبة
لكن .. لا تكن في عداء مع لغتك الأم !

***


- عمّ تتحدث في قصائدك أيها الشاعر ؟
- لا أعرف أبداً يا أخي
اقرأها ان أردت يا صديقي
والوخز يأتي راغباً إليك .
القصائد الحية هي التي تتحدث ،
لكنها لا تتحدث عن شيء ما
لأنها تقول شيئاً ما .

***


شاعت حكمة في الزمن القديم:
ان الأطفال لا يعيشون بل يتهيؤون للعيش.
ولكن من غير الممكن أن يكون نافعا في الحياة
ذاك الذي يتهيأ للعيش ،
وفي الطفولة لم يعش .





أندريه وزنسينسكي
( ولد عام 1933)




ولد اندريه اندريفتش فوزنسينسكي في موسكو لأبٍ يعمل في الهندسة
في ابداعات فوزنسينسكي فضح للمراءاة والغش والحيادية. ان رفض هذه الظواهر في شعر فوزنسينسكي يقابله تأكيد وثقة بالقوة الابداعية، وفي امكانية الشخصية الانسانية.
ومن صفاته الشعرية بحثه الدائم عن أشكالٍ شعرية جديدة، وتوسعه في استخدام المجاز، مع ربط غير عادي بالاستعارات.
للشاعر مجموعات شعرية كثيرة منها: "نمنمات"، "الكمثري المثلثة"، "العوالم المضادة"، "قلب آخيل"، "ظل الصوت"...الخ.


إلى ب . اخمدولينا

نحن عصينا الوصية الالهية.
أكلنا التفاح.
ليس للشاعر من شريك،
لأن كل الثنائيات انتهت بالمبارزة.
***
نحن عصينا القانون البشري 
أن نكون ، بالتبادل ، عرضة للنيشان .
لذا ، أدان اتحادنا صغار الناس ،
كأسوأ من سفاح القربى ،
إلا أن العاصية ولدتْ 
صوتاً أبيض في منتصف الليل.
حتى لو أن أرضنا هذه
كانت وسخاً ،
لكان ميلادك كفارتها .
ولكي تكوني عديمة الوزن في الصوت
جعلت قصائدي ثقيلة كالأساس ،
وفي الصباح أهديتك أجمل الزوجات ،
لتكون رفيقة لك .
ورميت عند قدميك باريس
باريس الملكة ،
الرثة ،
وأنت لفرار !
لأنني أظن أن الحياة ليست سوى
رهينةٍ للقوة الغناء .
لذلك نصرنا كان مرحاً
ومن المستبعد أن ينالنا الجزاء .
فالجزاء حل 
أنا وأنت فقدنا أنفسنا .
***
عندما أكون مخطئاً في هذه الحياة 
مخطئاً تماماً .
ابتسمُ : انني لا أتوق لغير ذلك .
ويكفيني ارتياحاً وحيداً :
لقد غنينا معاً ذات يوم .

بكاء قصيدتين لم تولدا
آمين .
قتلتُ القصيدة .
قتلت ما لم يولد . إلى الجحيم !
سنَدفنُ .
سنَدفُن القصائد . والدخول مسموحٌ لكل الرباء .
سندفنُ .
في العالم الأسود قصيدتان تقبعان ،
كعاشقين مسمومين .
كمنظار مسرحي أبيض .
حياتان متضامتان تقاسمتا المصير بالعدل.
اثنتان من أكثر قصائدي شدواً !
فقفوا
انتم ، أيها الناس
أنتِ ، أيتها الوحوش
أنتِ ، أيتها البرك
هناك، في "استانكين" حيث ولدت قصائدي.
وأنتِ ، يا أشجار الزيزفون الليلية
قفي كالألف في شعاب التنبؤ .
وأنتِ ،
أيتها الطرق المقتولة في فواجعها
كفاكِ التمرغ في الأسفلت ،
وقفي فوق المدينة كانتصاب الشعر .
وأنتِ ، أيتها التوابيت المطوية ،
انفتحي كسكاكين الجبار ،
وقفي .
وقفوا أنتم
يا سرفاتس، بوريس ليونيدوفتش، (1)
ويا دانتي.
لكنتم قد أحببتوهن .
لكنهن ، الآن، أيضاً رفات .
قفوا.
وقف أنتَ ، يا عضو مجلس السوفييت الأعلى ،
أيها الرفيق حمزاتوف
قف
قُتل الفن، وهذا ما لا يعوض
وما هو بأقل أهمية من خطابٍ
في يومٍ احتفالي .
إن موتهن – محكمةٌ .
ونحن – معتقلون .
قفوا.
آهٍ ، يا أمي
كم رغبت أن يسير ابنك باستقامة وصفاء .
فقفي .
وقفوا أنتم في سيبيريا ،
في باريس ،
وفي المدن القصية الصغيرة .
كم قتلنا في داخلنا
ما لم يولد ،
قفوا ، (2)
وقف يا لانداو المقتول في عامل مخبرٍ مريب .
وقف
يا كوبرينك المقتول في لانداو الظريف
قفوا
وقفي أنتِ
أيتها الفتاة في فرقة الجاز
هل تذكرين الريولات المدرسية ؟
قفوا .
الصبية الأبطال صاروا أبطالا
لكن في "الضد"،
فقفوا ،
( أنا لا أتكلم عن المخصيين – عن المنتحرين ،
من أضاعوا بأنفسهم 
الذرات المقدسة ).
قفوا .
قُتِلت القصائد .
أصدقائي في الفرح المذعور 
"ذكرى خالدة!"
وأنت أيها الوزير ..
أنت الذي حلمت أن يبحر في الاطلنطي
ذلك البحار المبتدئ ،
ذكرى خالدة.
وأنت يا ليفانوف الرعدي(3)، أين هاملتك (4)
الذي لم يُمَثل ؟
ذكرى خالدة.
وأنتِ أيتها العجوز
أين أميرك؟
والعذرية يمكن احاطتها وكوفي إطار،
ذكرى خالدة.
وأنتِ أيتها النوايا الخضراء قفي كاللهيب
ذكرى خالدة.
وأنتِ أيها الحلم والأمل،
هل خرجتِ إلى طنف الكنيسة؟
ذكرى خالدة!..
آمين.
دقيقة صمتٍ .
دقيقةٌ كالأعوام.
لقد ألزموا أنفسهم الصمت – الكل انتظر الطقس .
ان لم تقل اليوم ،
غداً لا تستطيع ان تتدارك
ذكرى خالدة .
ولذاكرتنا التي تغادرنا كالماموت
ذكرى خالدة .
ولذاك الذي جاء بالنار عبر الخراب 
مجدٌ خالدٌ !
مجدٌ خالدٌ !
***

(1) باسترناك.
(2) عالم فيزيائي سوفييتي قتل بحادث سيارة في أوائل الستينات
(3) مسرحي سوفييتي معروف.
(4) مسرحية شكسبير المعروفة أيضا.


****


الفنان
رسالة إلى ك . ل زيلينسكي

في عصر العقل والذرة
نحن – مبدعي الجديد.
ان قسمتنا هذه لجهنمية
الا أنها في طبعنا وطبيعتنا .
نحن – كالنساء القابلات
وهذا العصر يزأر بشدة
كالقرد الهجين،
كمحرك الطائرة
حاولوا ، إذن، أن تصمدوا أمام أجناس من هذا القبيل:
الاحتراق على الكترود ،
أو تناول الراديوم باليد.
لأن النفس – شقيق البحر ،
ستلتصق – حينها – بالهيكل .
انها الفاعلية الاشعاعية،
أساس الإبداع !
الكلمات كالصوان الشفاف
تشع،
تشفي وتعل.
من أجل أن يكون الناس أفضل .
من أجل أن يكون الناس في يسر.
من أجل أن تسقط الأورام الخبيثة
من الأجسام والنفوس .
من أجل أن تهدر الاشتراكية ....
وسعيداً بهذي القسمة ،
يقف الفنان في مرسمه
مريضاً
وإلى الأبد ، بالمرض الإشعاعي !




روبرت روجد يستفينسكي
(1932)




ولد روبرت ايفانوفتش روجديستفينسكي في قرية "كاسيخا" منطقة آلتاي. شاعرٌ يعكس في قصائده قيم الرجولة والحب، العمل والجمال، ورومانتيكية الإنسان السوفيتي.
شعر ر.روجديستفينسكي منبري وتاريخي.
من مؤلفاته الشعرية: "أعلام الربيع" ، "المحنة" ، "طريق القرى"، "جزيرة الخراب".


قداس
(مقاطع)



المجد الأبدي للأبطال !
المجد الأبدي !
المجد الأبدي !
المجد الأبدي للأبطال !
المجد للأبطال !
المجد !!
ولكن .. هل ينفع هذا المجد الأموات ؟
هل ينفع هذا المجد الشهداء ؟
من أنقذوا بأنفسهم كل الأحياء
وأنفسهم لم ينقذوا .
هل ينفع هذا المجد الشهداء ؟
ما دام لن يحركهم شيء
حتى ولو رش البرقُ القيظ في الغيوم ،
والرعد أصاب السماء الرحيبة بالصم ،
وصاح كل بشر الكرة الأرضية
أعرف: إن الشمس لا تنعكس في قعر العين الفارغ !
أعرف : ان الأغنية لا تفتح المقابر المحكمة !
ولكن باسم القلب
باسم الحياة أكرر :
المجد الأبدي للأبطال !
وأعرف أن الأناشيد الخالدة
الأناشيد الوداعية
ستظل تسبح بجلال فوق المعمورة التي تعاني الأرق.
لا ضير.. في أن من ماتوا ليسوا جميعاً أبطالاً
ولكنهم سقطوا باسم الوطن ،
باسم الأحياء ،
باسم الآتي سقطوا .
المجد الأبدي !
المجد الأبدي!
ولتذكرهم جميعاً بالأسماء .
بالأسماء جميعاً أذكرهم .
أبطالك أذكرهم بالأسماء ..
فالذكرى لا تنفع الأموات . الذكرى تنفع الأحياء .
فلنذكرهم بعزٍ وفخر ..
أولئك الذين استشهدوا في الحرب ...
ثمة حق جليلٌ : أن لا تفكر بنفسك !
ثمة حق جليلٌ : أن تتمنة وتتجاسر !
لأن لحظة الموت أصبحت مجداً خالداً.
...
رفرفت الرايات الارجوانية
واتقدت النجوم الارجوانية
وغطت العاصفة الثلجية الهوجاء ذلك الأفق الارجواني 
إنه من دم .
كان سير الكتيبة مسموعاً ،
سير الكتيبة العظيم ،
سير الكتيبة الحديدي.
وكان مسموعاً سير الجندي الحازم .
وللقاء زمجرة الرعد العاصف،
نهضنا في الحرب باشراق وعنف،
وعلى راياتنا نٌقشت كلمة:
النصر!
النصر!
باسم الوطن – النصر !
باسم الأحياء – النصر !
إنما يجب علينا أن ندمر الحرب
لا فخر أكبر من ذلك ولن يكون
ولن تكون جسارة أكبر من ذلك.
لأن فوق رغبتنا في أن نبقى أحياء، هناك أيضاً شجاعة العيش!
نحن نهضنا في الحرب باشراق وعنف ،
من أجل أن نلاقي زمجرة الرعد العاصف ،
وعلى راياتنا نقشت كلمة:
النصر !
النصر !
...
أيها الحجر الأسود
أيها الحجر الأسود
لماذا أنت صامتٌ أيها الحجر الأسود.
هل كنت ترغب أن تكون شاهدة قبر جندي مجهول؟
أيها الحجر الأسود
لماذا أنت صامتٌ أيها الحجر الأسود؟
لقد بحثنا عنك في الجبال
هشمنا الأحجار القاسية، وبوّقنا القطارات في الليالي،
والماهرون ما ناموا الليالي
من أجل أن نحول بأيدينا المبدعة ودمنا
الحجر الأسود إلى شاهدة قبر خرساء .
لكن .. ما ذنب الحجر الأسود
إذا كان تحت الأرض، في مكانٍ ما
إلى الأبد ينام الجنود!
الجنود المجهولون لا يحملون أسماء.
سييبس العشب فوقهم ويحوم الغراب.
يهتز عباد الشمس فوقهم ، وفوقهم ينتصب الصنوبر.
وحين يجيء موعد الثلج
وتتدفق الشمس البرتقالية في السماء
يكون الزمن قد مر عليهم.
إلا أنه في وقت ما
إلا أنه في وقت ما. وفي مكان ما من العالم،
يكون هناك من يتذكر الجندي المجهول!
فقد كان قبل موته بقليل
يملك عدداً غير قليل من الأصدقاء،
وأماً حصرمةً لا زالت على قيد الحياة
وكانت لديه خطيبة أيضاً،
أين هي خطيبته الآن؟
لقد عاش معروفاً ومات غير معروف
إنه الجندي المجهول.





يفغيني يفتوشكنو
(1933)




ولد يفغيني الكسندروفتش يفتوشنكو في قرية "زيما" في منطقة "اركوتسك" في عائلة موظف.
ي. يفتو شنكو شاعر موهوب، وجداني، يغني للحياة بكل تشعبها وتعقيدها.
يتميز شعر يفتوشنكو بغوصه العميق في عوالم الانسان الداخلية، بمضامينه الانسانية، وبصوره الشعرية الغنية.
من أعماله: "الثلج الثالث"، "وعد"، "تلويحة الأيدي"، "هذا الذي يحدث معي.."،"رقة"، "قصائد الأعوام المختلفة"...


طرق على الباب


- "من هناك؟"
- أنا الشيخوخة
جئت إليك"
- فيما بعد.
أنا مشغولٌ،
لدي عملٌ".
كتب.
تلعن.
أكل العجة.
فتحت الباب. ما من أحدٍ هناك.
ربما مازحني الأصدقاء،
وربما لم أسمع الاسم جيداً؟!
ما كانت الشيخوخة
هذا هو النضوج
كان هنا.
لم يتحمل الانتظار.
تأوه..
ثم انصرف؟!
..



هنيئاً لكِ النصر


لما كانت "زيم" العجوز
ترفو الراية الملفوحة بلهب المعارك،
والمحروقة في كل شبر منها
كانت شفاهها اليابسة المرتعشة بتثاقل
تنادي النصر – نصرها والشعب
كما تنادي صغيرتها.
...
لما كانت عاملات النسيج في معمل "ترويخ غوركا"
يقفن أمام المكنات لم ينسين،
لم كان وضعاً عصيباً
ذاك الذي عشناه ذات يوم.
كي يحكمن ذلك القميص
الذي أتيت به إلى فيتنام
أيها النصر.
...
عندما كانت البروليتاريا تسير في الشوارع
صارمة وجادة،
ناشرة الرعب في قلوب الكلاب المدللة،
كان عامل المرافئ و "الطورنجي"
يحملان النصر – طفلهم في اللافتات،
كما لو أنه في المهد.
...
لما كان الطالب الجسور
يحرق في "نيوجرسي" بطاقة استدعائه للجيش
شعّ من تلك الشرارة – اللهب
نورٌ ساطعٌ بهيج
كان النصر معفر الخدين بالرماد
مرتديا بنطاله الممزق "الكاوبوي"
واقفاً بقربه كأخت.
...
ان نسيم الجبهة لعاملي
فهنيئاً لكِ النصر يا فيتنام!
يا شرق – ويا غرب !
هنيئاً لكَ النصر يا بيكاسو!
هنيئاَ لك النصر يا جين فوندا!
هنيئاً لك النصر يا بني "بيننكا" *
هنيئاً لك النصر يا دكتور "سبوك"
...
لقد نموت في ذلك البلد
هناك، حيث يعرفون ما تعني لعنة الحروب.
يسعدني كروسيّ
بأن – شعري- ربما – ولو بالقليل القليل
ولو ببيت واحد
ساعد على النصر.


 طبيب أطفال أمريكي. كان من المناهضين لحرب فيتنام. أدخلته السلطات الامريكية السجن، وأكثر من مرة. له كتاب عن أمراض الأطفال يقال أنه الثاني بعد الانجيل تواجدا في البيوت الامريكية.



القصائد الوجدانية الودودة


أنا لا أدري
ان كنت أستطيع أن أجيب عن سؤال:
" ما هي القصائد الوجدانية الودودة؟"
لأنها قد تكون عن شجر البتولا
عن أعضد النساء تحت وابل المطر.
لكنني..
عندما كتبت عن الفاشيست قصائد
هناك، في فلندا.
كانت ليلتي مضطربة
وكانت شفاهي حارة ويابسة.
ومن المستحيل كان ألا أكتب.
لذا.. كتبت حتى الفجر،
دون أن تذوق عيناي طعم النوم.
استنفدت آخر الأوراق مما عندي..
ان ما قمت به كان وصية اجتماعية مباشرة..
وهذه هي قصائدة الوجدانية الودودة!
لتغفري لي أيتها الغيوم والجسور
لتغفري لي أيتها الورود،
ولتغفري لي أنت.
لأنني أكتب عنكن قليلاً.
ودائماً وما أكاد أبدأ الكتابة،
بذلك الهدوء وتلك الروية
يطلبني لحربه الكبيرة ذاك الذي يشبه شيئاً عسكريا.
لا ضير، إذن ، إن كنت أضحي بنفسي كفنان،
لأن خط الجبهة النضالي 
معركة تطهير ومع أي زيفٍ كان.
وهذه هي قصائدي الوجدانية الودودة!
أكرههم عندما يمجدون الاشتراكية بالألسن المهذارة
لأنهم يخزونها حين يكذبون.
فإذا كنا نريد بناء الاشتراكية،
لا حاجة لنا بالثرثارين على المنابر.
لأن الاشتراكية عندي أسمى ود
وعن الود الكبير لا يهرفون

(1962)



مقتل الضوء


مات الضوء في الصالة.
والعتمة وحدها كانت تمثل الدور الرئيسي على المسرح.
وفيّ كانت بحة "كورال"...
تنسكب بهدوءٍ في العروق.
لقد عرفت أنها، هناك، مستعدة للعرض،
واذا كانت مرئية فمن الله وحده.
كظل الظلام الخفيف
تقفين حيةً.. نحيلةً أنتِ .
لكن نمو "الكورال" في داخلي كالصوت المقدس.
وأنا لم أنظر بالعينين
ولكن بالجلد الذي يشبه آلاف العيون المتحدة.
وفي الظلام
في تدفق أنفاس الناس المتقطعة
في تكوينات الظلال الغائمة التي تشبه الأشباح
حددت وبتوقعٍ محتدمٍ
ذلك المكان،
حيث فوق الجنة
وفوق النار
تقع شمعة لم تشتعل.
أنت احترقت .. وانبعث الضوء
وانعكست مني فوضى الظلال الغريبة،
غير أن الغرة الذهبية تمايلت
كلسان النار الهابط مع الريح.





ألأدب الروسي : عصور و ثورات


الأدب الروسي يحتوي الأدب على عدد من الروائع التي تعتبر من أعظم الأعمال الأدبية العالمية، خاصة في مجالي الرواية والشعر، ويعكس هذا الأدب تأثرًا كبيرًا بالتطورات التاريخية التيطرأت على روسيا كاعتناق النصرانية والغزو التتاري. وظهرت أعظم الأعمال الشعرية والنثرية والمسرحية الروسية في القرن التاسع عشر الميلادي. كانت بدايات الأدب الروسي عام 988م، وكان معظمه في تلك الفترة دينيا على شكل مواعظ وأناشيد وسير للقديسين. وقد كتب رجال الدين الجزء الأكبر من هذا الأدب، وكانوا أيضا قرّاءه. أما الأدب اللاديني فأهم عمل فيه هو التواريخ، إذ كانت عاصمة كل إمارة تحتفظ بسجل تؤرخ فيه الأحداث، وأهم أعمال تلك الفترة المبكرة القصيدة الملحمية النثرية أنشودة حملة إيغور، التي كتبها مؤلف مجهول في أواخر القرن الثاني عشر الميلاديوكان الأدب الروسي أقل عطاء في ظل حكم التتار، ولكن مع اكتساب موسكو السلطة بعد هزيمة التتار عام 1480م، وتوحد روسيا في ظل حكم أمير موسكو، الذي أصبح يدعى قيصر فيما بعد، ظهر ما يعرف بالأدب الموسكوفي الذي ركزّ على الموضوعات السياسية، وأبدى اهتماما كبيرًا بالأسلوب.يمكننا تلخيص الأدب




فجر العصر الحديث 

شهد القرن السابع عشر تحولا جذريا في الأدب الروسي، نتيجة ترجمة عدد كبير من الأعمال الأدبية الغربية وتقليدها. وظهر الشعر المقفى لأول مرة في روسيا. وكان أكبر كتَّاب هذا الأدب الجديد أفاكوم، أحد رجال الدين المحافظين، الذي تميزت كتابته باللغة المعبرة والوصف الحي للحياة اليومية، كما أدخل الراهب سميون بولتسكي في الشعر نظامًا صادقًا، يعتمد على المقطع في الأدب الروسي. عمد القيصر بطرس الأول (الكبير) الذي بدأ حكمه عام 1682م إلي إدخال الطابع الغربي في الحياة الروسية، مما أدى إلى اكتساب الأدب الروسي صبغة غربية شاملة خلال القرن الثامن عشر. ويطلق على ميخائيل لومونوسوف لقب مؤسس الأدب الروسي الحديث ورائد المدرسة الكلاسيكية. فهو الذي أوجد الشعر الروسي الحديث الذي يعتمد على نسق منتظم من المقاطع المجزأة وغير المجزأة. ازدهرت المدرسة الكلاسيكية في روسيا في الأربعينيات من القرن الثامن عشر، تحت تأثير النماذج الغربية، وكان أصدق المعبرين عن مبادئها الكساندر سماروكوف الذي كتب قصصا ومسرحيات وأعمالاً هجائية وأغاني. وكان أبرز شعراء القرن السابع عشر غافربيل درجافين الذي يمثل شعره نقطة التحول من الكلاسيكية إلى الرومانسية.


العصر الرومانسي للأدب الروسي ..

بدأت بذور الحركة الرومانسية تظهر في الأدب الروسي في أواخرالقرن الثامن عشر، وفي البداية كانت أقوى نزعة رومانسية هي النزعة العاطفية التي طغت في العقد الأخير منه، وركزت على المشاعر والخيال، ولكنها استمرت في استخدام الأشكال الشعرية الكلاسيكية. كما عرف عدد من كتاب العقد الأول من القرن التاسع عشر باسم أدباء ما قبل الرومانسية، وامتازوا عن العاطفيين باهتمام أكبر بالطبيعة وبالأمزجة المختلفة.وفي العقد الثالث من القرن التاسع عشر ظهر جيل جديد من الشعراء يمثل البداية الحقيقية للرومانسية وبداية العصر الذهبي في الشعر الروسي. وقد جمع هؤلاء أيضًا بين المشاعر الرومانسية والأشكال الكلاسيكية لكن مواضيعهم كانت أكثر تنوعًا، وأبدوا اهتمامًا أشد بحرية الفرد، وتأثرًا كبيرًا بالشاعرين الإنجليزيين شكسبير وبايرون.كان ألكسندر بوشكين أعظم شاعر غنائي روسي وأبرز كاتب في مرحلة الرومانسية المبكرة. وتميزت أشعاره بلغتها الموجزة وبلاغتها الفائقة في التعبير. والأسلوب الموجز لبوشكين يجعل شعره يستعصي على الترجمة. ويبحث بوشكين في قصائده السردية عن موقع الإنسان في المجتمع. وكثير من شخصياته الرئيسية مثلا لبطل يوجين أونيجين (1825-1832م) ليسوا قادرين على إيجاد هدف للحياة وهم ينتهونضجرين وبعيدين عن مشاعر الحب.كتب بوشكين عام 1825م مسرحية تاريخية بعنوان بوريس غودنوف في شعر مرسل. وكانت تلك محاولة منه لإدخال الأسلوب الشكسبيري في عرض الأحداث، حسب التسلسل الزمني، في المسرحية الروسية. والفارس البرونزي قصيدة قصصية كتبها بوشكين عام (1833م) تعتبر إحدى أعظم قصائده السردية، ويلقي فيها الضوء على محاولة بطرس الأكبر لإدخال المدنية الغربية إلى روسيا وتأثير ذلك على الروس العاديين ويوضح النتائح العظيمة والمأساوية أيضًا التي تنتظرها روسيا من وراء هذه الرغبة الجامحة.كتب بوشكين أيضًا رواية وعددًا من القصص وكانت روايته بنت القبطان (1836م) شبيهة بالروايات التاريخية للسير وولتر سكوت الكاتب الرومانسي الأسكتلندي. ومن أجمل قصصه قصة ملكة البستوني (1834) التي تدور أحداثها حول مقامر يصاب بالجنون، بعد أن يفشل في الحصول على بعض الأموال في لعب القمار.أديب آخر من البارزين في عشرينيات القرن التاسع عشر الميلادي هو ألكسندر غريـبو يدوف،وأشهر أعماله ويل من الفطنة (1825م)، والقصة ملهاة هجائية كتبها في قصيدة مقفاة. وبطل القصة تشاسكي، كما هي الحال في رواية يوجين أونيجن لبوشكين، يجد نفسه عاجزًاعن الانسجام مع مجتمعه. وقد اشتهر كل من تشاسكي وأونيجن بأنهما من طراز الرجال عديمي الفائدة الذين تحول طبائعهم الضعيفة دون السعي والكفاح لأجل الوصول إلى أهداف بناءة. واستخدم الأدباء هذه الشخصية بعد ذلك في وصف النبلاء الروس، العاجزين عن إيجاد زعامة تحررية قوية تدعم الإصلاحات السياسية والاجتماعية. وظهرت هذه الشخصية الخالية الوفاض في الأدب الروسي مرات عديدة، خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.شهد الأدب في هذه الفترة حرية أوسع في الشكل والأسلوب وإعجابًا بالمشاعر والانفعالات الإنسانية. وهذه الحركة التي بدأت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الميلادي ركزت أيضًا على تعميق أهمية الأحلام والرؤى والخيال. وكان الفساد السياسي والأخلاقي ضمن المواضيع السائدة في بعض الكتابات الرومانسية المتأخرة في الأدب الروسي، غير أن الرقابة اشتدت في عهد القيصر نيقولا الأول الذي بدأ حكمه سنة 1825م واشتدت الرقابة بشكل خاص على جميع الأعمال الأدبية الناقدة للمجتمع الروسي ولا سيما ما يتعلق منها بعبودية الأرض. ومن أبرز كتَّاب هذه المرحلة: ميخائيل ليرمنتوف وفيودور تيوتشيف ونيقولاي جوجول.كان ليرمنتوف من الشعراء والروائيين البارزين. ويعبر كثير من أشعاره العاطفية عن الإحباط الشديد والتبرم بالحياة في روسيا وكان ليرمنتوف يحلم في شعره بفردوس بعيد المنال. إن الشموخ والرغبة الجامحة يؤديان بالبطل في قصة ديمون (نحو عام 1839م) إلى إضاعة هذا الوضع المثالي. وكانت قصة بطل من عصرنا (1840م) التي كتبها ليرمنتوف أول رواية نفسية في الأدب الروسي. والبطل بتشورين مثال آخر للرجل خالي الوفاض، إذ أنه يضيع حياته في مغامرات لامعنى لها، لأن الطبيعة القاسية للحياة الاجتماعية والسياسية في روسيا تحول بينه وبين أي نشاط مفيد سوى القيام بواجباته العسكرية. وكتب تيوتشيف، وهو شاعررومانسي لامع آخر، عن مثل هذه المواضيع، مثل موقع الكائنات البشرية في الكون ومدى فهمهم للطبيعة المحيطة بهم ومقدرتهم على الاتصال بعضهم ببعض لغويًا. ومن ضمن قصائده الشعرية سيلاتيوم (1830م)؛ حلم في البحر (1833م)؛ ليست الطبيعة ماتظنها أنت (1836) م .وكان جوجول أحد أشهر الأدباء الروس. وقد قدم في أعماله الأدبية المبكرة أوصافًا تنبض بالحيوية عن الحياة في أوكرانيا، مسقط رأسه. وتاراس بولبا وهي رواية تاريخية يمجد فيها جوجول عظمة القوزاق الأوكرانيين الأوائل. واعتبر نقاد الأدب كثيرًا من أعمال جوجول المتأخرة هجاءً سياسيًا غير أن جوجول، كان يهدف أصلاً إلى السخرية من ضعف الإنسان الروحي. وتمثل الشخصيات الواردة في قصة المفتش العام (1836م) العيوب الشائعة فيالطبيعة البشرية وقصة الأرواح الميتة (1842م) رغم عدم اكتمالها فإنها تعتبر من أروع سخريات جوجول، إذ نجد أن بطل القصة يتنقل داخل روسيا وهو يشتري سندات التملك لعبيد الأرض المتوفين، الذين لا تزال أسماؤهم مدونة في السجلات وهو يخطط لاستخدام تلك السندات في عملية احتيالية. وهذه الحكاية وهي هجوم على تفشي الفساد الأخلاقي، وقد أساء القرّاء في عهد جوجول فهمها وعدُّوها انتقادا للفساد السياسي.


العصر الواقعيه في الأدب الروسي  ..

برزت الواقعية في الأدب الروسي في الأربعينيات من القرن التاسع عشر، وسعى معظم أتباعها إلى إعطاء صورة صادقة عن الحياة والدعوة في نفس الوقت إلى الإصلاح الاجتماعي. وفي البداية جمع الأدباء خصائص رومانسية وواقعية فيكتاباتهم.وإيفان تورجنيف من الروائيين البارزين ومؤلف روايات مسرحية أظهر تفهمًا عميقًا للمجتمع الروسي وشعبه. وساعدت روايته دفتر الرياضي (1852م) على تأجيج عواطف الجماهير نحو عبيد الأرض في روسيا ووصفهم تورجنيف بأنهم أناس ذوو مودة وكرامة. وصور أصحاب الأرض بأنهم أشخاص غير ناضجين وأنهم عديمو الإحساس. وفي رواية رودن (1856م) يصور تورجنيف الرجل التقليدي خالي الوفاض بوصفه شخصًا متحررًا، مصابًا بالإحباط، أما الآباء والأبناء فقد جاءت في المرتبة الأولى من بين أعمال تورجنيف في محتواها الدرامي وتحليل شخصياتها. وهو يعرض فيها الشباب الروسي المتطرف في السنوات الأولى لستينيات القرن التاسع عشر الميلادي يصفهم بأنهم ذوو إرادة قوية، وهم لايحترمون السلطات ولا يراعون التقاليد ويرغبون في إحداث التغيير، غير أن المجتمع ليس مستعدًا للقيام بالثورة. ويموت البطل بازاروف في حالة يأس وإحباط. وكان أحد موضوعا تتورجنيف المفضلة هو الحب الناشئ كما جاء في آسيا (1858) والحب الأول (1860م). ففي الحب الأول يمر شاب بتجربة صدمته، حين يكتشف أنّ البنت التي يحبّها هي خليلة أبيه. وفي أنجح رواياته المسماة شهر في الريف (وقد أكملها عام 1850م) يسرد تورجنيف قصة مماثلة، حيث تتنافس إحدى البنات وولية أمرها على حُب مدرس شاب.حاول الروائي إيفان غونجاروف إقناع الروس المتحررين بأن العمل الفعلي وليست الأفكار العاطفية، هيالتي تؤدِّي إلى الإصلاح الاجتماعي. وفي رواية أوبلوموف (1859م) يصور المؤلف، الرجل خالي الوفاض، صاحب أرض كريم المحتد ومع أن أوبلوموف شخص ذكي إلا أنه قد فشل فيتحقيق أي هدف مما كان يحلم به. وقد بدأ الروس على أثر نشر هذه الرواية بالإشارة إلى أي عمل غير مجدٍ لأصحاب السلطة، بالأوبلوموفية.كتب ألكسندر أستروفسكي، وهوأكثر كتاب المسرحية الروس شهرة وأغزرهم إنتاجًا، روايات ينتقد فيها الطبقة الوسطى. واستخدم اللغة الروسية اليومية الدارجة مما جعل رواياته تلقى إقبالاً شديدًا. والأوغاد في روايات أستروفسكي هم نتاج العالم التجاري، وهم جشعون ومخادعون ومتحكمون. وفي رواية الفقر ليس جريمة (1854م) يقرر أحد رجال الأعمال الأنانيينتزويج ابنته من أحد الأثرياء الغشاشين. وأعظم أعمال أستروفسكي العاصفة (1860م) يصورفيها الكاتب القصة المأساوية لزوجة أحد التجار، التي تُقْدِم على الانتحار لكيتتخلص من استبداد حماتها.برز في خمسينيات القرن التاسع عشر كاتب آخر هوسيرجي إكساكوف. وقد استند في وصفه المفعم بالحيوية للطبيعة والناس على الخبرةالطفولية. وعلى نقيض الأدباء الواقعيين الروس، لم يهاجم إكساكوف المجتمع الروسي فيكتاباته ولم يدافع عنه أيضًا. ومن بين رواياته تاريخ العائلة (1856م)، و طفولةالحفيد باغاروف (1858م).جاءت ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشرالميلادي، لتنتهي خلالها الرومانسية في الأدب الروسي وبرز الكتَّاب الواقعيون الروسوهم يكتبون عن الأوضاع الاجتماعية وحلت كتابة النثر المبسط محل الأسلوب الأنيقللرومانسية وأصبحت الرواية الشكل الرئيسي للكتابة الأدبية. وقد تضمن العديد منالرِّوايات شخصيات مفعمة بالحيوية ولكن في بنية قليلة الحبكة.ألَّف الكونت ليو تولستوي، وهو أكبر كاتب روسي في الأدب القصصي أعظم رواياته في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر. ونبذ تولستوي القيم الرومانسية للبطولة والحب العذري وأظهر بدلاً من ذلك اهتمامًا عميقًا بالمراحل الطبيعية للنمو البشري، كالولادة والزواج والوفاة. وروايته الرائعة الحرب والسلام (1869م) جلبت الانتباه إلى طبيعة الاجتياح الفرنسي لروسيا ونيرانه عام 1812م. ولكن الرواية ترفض كذلك فكرة الحرب وتكشف عن رغبة تولستوي في حياة هادئة تنسجم مع الطبيعة. وفي أنّا كارنينا (1875-1877م) هاجم تولستوي الحب الرومانسي باعتباره ضربًا من الانغماس الذاتي وشجع بدلاً من ذلك الإحساس بالواجب الأخلاقي وحب الأسرة. أما روايته موت إيفان إيليتش فإنها صورة مرعبة لموت رجل، وقبوله لمصيره المحتوم باعتبار ذلك نهاية طبيعية للحياة. ومن الكتاب الروائيين الروس الكبار دوستويفسكي الذي اشتهرت رواياته بالأوصاف الدراماتيكية للصراعات الداخلية، والتي تعاني شخصياتها من تنازع روحي عنيفبين إيمانهم بالله ومشاعرهم القوية المفعمة بالكبرياء والأنانية. ويصف لنا دوستويفسكي في الجريمة والعقاب (1866م)، وهي روايته الأكثر إثارة، حالة أحد القتلة وهو يقاسي عذاب الضمير، ثم يسترد البطل حالته الطبيعية، عندما يعترف بجريمته ويرضى بالعقاب الذي يستحقه. ورواية الممسوس (1871-1872م) والتي تُعرف أيضًا بالأبالسة،يصف لنا فيها الكُتّاب السياسيين المتطرفين. وفي رواية الإخوة كارامازوف (1879-1880م وهي آخر روايات دوستويفسكي وأعظمها، يتحدث عن رجل شرير يقتله أحد أبنائه الأربعة. والصورة الرمزية التي يعرضها المؤلف عن نجاة الأولاد الآخرين من الخطيئة، هي إيمانه بالقدرة الإلهية على إنقاذ الناس من الخطيئة.


الصحوة " الواقعيه المتأخره "
عندما جلس إسكندر الثالث على عرش القياصرة، عارض كثيرًا من الإصلاحات التي قام بها والده إسكندر الثاني، وظهرت موضوعات كثيرة، تتسم باليأس والمرارة في الكتابات الروسية، نتيجة لقسوة الحكم القيصري في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر. وأصبحت القصص والمسرحيات تُمثِّل الأشكال الأدبية للواقعية المتأخرة.وكان أنطون تشيخوف من كتاب القصة القصيرة والمسرحية البارزين. ومعظم أعماله تتعلق بالسأم والإحباط من الحياة. وفي رواية لونيتش (1898م) يورد تشيخوف قصة طبيب مثالي حساس، يصبح كسولاً و معجبًا بنفسه كلما تقدم في العمر. والعم فانيا (1899م) مسرحية عن أحد المثقفين الذين يصيبهم الضياع، فيعيش حياة واقعية، بينما كان يعتقد بأنه يكرس نفسه للمثاليات. وتحكي الأخوات الثلاث (1901م ) قصة أسرة يتصف أعضاؤها بضعف شديد في الإرادة، بحيث لا يبذلون أي جهد لتحسين أوضاعهم المعيشية السيئة. ويبحث تشيخوف في بستان الكرز (1904)م انحلال دور الأشراف أصحاب الأرض.وهناك روايات ومسرحيات وقصص مكسيم جوركي، آخر الأدباء الروس الكبار من الواقعيين والذي تعكس أعماله الأدبية المبكرة فلسفته الشيوعية وهو يصف الفقرالمدقع الذي تعاني منه الطبقات الدنيا. وأشهر مسرحيات جوركي الأعماق الدنيا (1902م( التي يفرغ فيها المؤلف الحياة البائسة التي يعيشها ساكنو أحد الملاجئ في قالب مسرحي. وكثير من الأفكار الرئيسية لأعمال جوركي المتأخرة كانت تتضمن انحلال الطبقة المتوسطة العليا، كما نشاهد ذلك في رواية أعمال الأرتاماتوفيين (1925م). كذلك كتبجوركي سيرته الذاتية المفصلة ونشر مذكراته حول من التقى بهم وصادقهم من كبار الكتاب الروس.


مرحلة التجديد الأدبي 
يطلق اسم العصر الفضي في الأدب الروسي على العقد الأخير من القرن التاسع عشر وأول ثلاثة عقود من القرن العشرين، وهي فترة شهدت قدرًا هائلا من التجديد والنشاط في الأدب. ففي هذه الفترة ظهرت المدرسة الرمزية، التي عادت إلى الأحلام والتخيلات الرومانسية، وكان أبرز كتابها ألكسندربلوك وأندريه بلي. كما اشتهر في نفس الفترة الكاتبان ليونيد أندرييف، وإيفانبونين.وتولدت من الرمزية حركة ما بعد الرمزية، التي كانت بمثابة ثورة ضد الغموض والطابع الفلسفي في أعمال الرمزيين، ومن أهم أتباعها مجموعة الذرويون، التي اتجهت إلى كتابة شعر واضح الصور بلغة أكثر دقة. ومن المجموعات الأخرى الشعراءالمستقبليون الذين ابتعدوا عن الموضوعات والمفردات الشعرية التقليدية.ومن أعظم شعراء القرن العشرين بوريس باسترناك، الذي كتب دواوين شعرية في غاية الأصالة، مثل توأم في السحاب (1914م)، وحاز شهرة عالمية من روايته الملحمية دكتور زيفاجو (1957م).

الأدب السوفيتي الشيوعي 
تمثل الثورة الشيوعية عام 1917م بداية عصر جديد في الأدب الروسي، فقد أحكمت الرقابة على الأدب، وهاجر كتاب كثيرون، وسُجِنَ وأعْدِمَ كثيرون غيرهم، وسيطرت الدولة والحزب على المطابع والصحافة.وفي العشرينيات من القرن العشرين خففت الدولة من قبضتها الصارمة،وظهرت مجموعة جديدة من الشعراء والروائيين تُدعى رفاق السفر، من أهم أعضائها كاتب القصة إيزاك بابل والروائيان ليونيد ليونوف وألكسي تولستوي.ولكن الدولة فرضت على الكتاب أن يخدموا أغراضها، فظهرت روايات المصانع مثلاً، مع بدء الخطة الخمسية الأولي عام 1928م.وفي الثلاثينيات حظرت الحكومة نشاط جميع الجمعيات الأدبية، وأنشأت اتحاد الكتاب السوفييت الذي ابتدع نظرية الواقعية الاشتراكية، وطرد من الاتحاد كل من لم يلتزم بهذه النظرية. وازدهرت الرواية التاريخية في تلك الفترة، ومن أفضلها الرواية الملحمية وبهدوء يتدفق الدون (1928- 1940) لميخائيل شولوخوف. وأثناء الحرب العالمية الثانية، مُنح الكُتَّاب قدرًا أكبر من الحرية وظهرت روايات وطنية، منها أيام وليال لقسطنطين سيمونوف.خففت القيود مرة أخرى بعد وفاة ستالين، ولكن الرقابة الصارمة عادت بعد نشر رواية ألكسندر سولزينتسين يوم في حياة إيفان دنوسوفتش (1962م). وفي الستينيات، برزت مجموعة من الكتاب الشبان المتحررين ومنهم الشاعر يفجيني يفتشينكو.وبسبب الرقابة والقيود كانت بعض الأعمال الأدبية تُتَداول سرًا على شكل مخطوطات، ونشر بعضها خارج الإتحاد السوفييتي السابق مثل رواية دكتور زيفاجو.ومن الأعمال التي نُشرت في الخارج قصص وروايات أندريه سنيافسكي، الذي استخدم اسم أبرام ترتز، وأعمال سولزينتسين الذي منح جائزة نوبل للأدب عام 1970م ونفي من الاتحاد السوفييتي السابق عام 1974م.ورغم القيود السياسية في السبعينينات استمر عدد من الأدباء في انتقاد المجتمع السوفييتي، وفضح مافيه من أنانية ونفاق. وفي منتصف الثمانينيات وحتى أوائل التسعينيات من القرن العشرين تضاءلت الرقابة إلى حدٍ كبير في ظل سياسة الانفتاح (الجلاسنوست)، التي تبناها ميخائيل جورباتشوف، ونُشرت لأول مرة بعض الأعمال الأدبية المهمة، التي كانت محظورة في السابق. وبتفكّك الاتحاد السوفييتي عام 1991م إلى دول مستقلة، انتهى عهد الأدب السوفييتي.*

مارتن هايدغر أسئلة وأجوبة حول السياسة والفلسفة والتاريخ



نشر هذا الحوار في المجلة الألمانية الأسبوعية »دير شبيغل« بتاريخ 31 آيار/مايو 1976 بعد أيام قليلة من وفاة مارتن هايدغر ونشرت المجلة التوضيح التالي: أرسل هايدغر في آذار/ مارس 1966 رسالة إلى المجلة يردّ فيها على الذين يتّهمونه بأنه كان على صلة بالنازيّة أثناء فترة صعودها. وكانت هذه الرسالة إشارة إلى أنه كان مستعدّا للإجابة على الأسئلة المتعلقة بهذه القضية. وفي شهر أيلول/سبتمبر 1966 تمكن رودولف اغستاين وغيورغ فولف من التحاور مع هايدغر. وقد أوصى هايدغر بعدم نشر الحوار إلا عقب وفاته قائلا:»المسألة لا تتعلق بكبرياء أو عناد وإنما بعملي هذا الذي أصبح مع السنين أسهل، ويعني في المجال الفكري أنه أصبح أكثر صعوبة«. ويعتبر هذا الحوار الوحيد من نوعه الذي خصّصه هايدغر للصحافة.

شبيغل: أستاذ هايدغر، لقد لاحظنا دائما أن هناك شيئا ما أثر تأثيرا سلبيّا على أعمالك الفلسفية بسبب أحداث عشتها. ورغم أن هذه الأحداث لم تدم طويلا غير أنها لم توضح بما فيه الكفاية.

هايدغر: تقصدون أحداث 1933.

شبيغل: نعم قبل 1933 وبعدها. نحن نريد أن نضع هذه الأحداث في إطار أكثر شمولا ومنها ننطلق إلى أسئلة تلوح أكثر أهميّة. مثلا: ماهي إمكانيّات الفلسفة للتأثير على الواقع بما في ذلك الواقع السياسي؟

هايدغر: إنها أسئلة هامّة، ولست أدري هل أستطيع الإجابة عليها كلها. وقبل كل شيء لابد أن أقول أنه لم يكن لي أي نشاط سياسي قبل تعييني رئيسا للجامعة. وخلال شتاء 1932 وشتاء 1933 كنت في عطلة وأغلب أوقاتي كنت أقضيها في منزلي الريفي.

شبيغل: كيف استطعت إذن أن تصبح رئيسا لجامعة فرايبورغ؟

هايدغر: خلال شهر كانون الأوّل/ديسمبر 1932 انتخب زميلي فون مولوندورف وهو أستاذ مختصّ في علم التشريح عميدا. وتاريخ بدء العمل في جامعتنا كان يوم 15 نيسان/ ابريل. وخلال فصل شتاء 1932 و1933 كنا تحدثنا أحيانا عن الوضع السياسي وخاصة عن وضع الجامعات، وأيضا عن وضع الطلاب الغامض. وكان رأيي كالآتي: ليس هناك غير وسيلة وحيدة وهي أن نمسك بالتيار الذي بدأ يظهر شيئا فشيئا اعتمادا على القوى البناءة والتي لا تزال حيّة حقا.

شبيغل: كنت اذن تلاحظ علاقة ما بين وضع الجامعة الألمانية والوضع السّياسي في ألمانيا بصفة عامّة؟

هايدغر: لقد تابعت الأحداث بين يناير/ كانون الثاني ومارس/ آذار 1933، وحدث أن تحدثت في شأنها مع زملاء أصغر مني سنّا، ولكن عملي كان مخصّصا في ذلك الوقت لتحليل شامل لفكر ما قبل السّقراطية. وقد عدت إلى فرايبورغ في بداية فصل الصّيف. وقبل ذلك كان الأستاذ فون مولوندورف قد بدا عمله كعميد يوم 17 نيسان/أبريل. وبعد أسبوعين فقط من ذلك أقيل من منصبه بقرار من وزارة التعليم. وربّما كان قرار رئيس الجامعة بمنع تعليق ما سميّ في ذلك الوقت بالمنشور الخاص باليهود، فرصة للوزارة لكي تقيله من منصبه(١).

شبيغل: السيّد فون مولوندوف كان اشتراكيا ديمقراطيا. ماذا فعل عقب هذا  القرار؟

هايدغر: يوم إقالته اتصل بي فون مولوندورف وقال لي »هايدغر... أنت الذي يجب أن يمسك برئاسة الجامعة«. قلت له أني لست على دراية كبيرة بالمسائل الإدارية، وعرض عليّ مساعد رئيس الجامعة السيد شارو (علم اللاهوت) أن أرشح نفسي لرئاسة الجامعة ذلك أنّه حسب قوله يمكن أن تعيّن الوزارة موظفا في حالة عدم عثورها على شخص تثق فيه. وجاءني زملاء يكبرونني في السن. وحدث أن تناقشت معهم قبل ذلك حول مسائل تتعلق بسير الجامعة. وقد تردّدت طويلا. وأخيرا قبلت أن أقوم بهذه المهمة، فقط من أجل مصلحة الجامعة إذا ما تأكدت من رضى كل أعضاء المجلس الانتخابي. ولكن شكّي حول مدى قدرتي الإداريّة ظلّ كامنا فيّ حتى أني صبيحة اليوم المخصّص للانتخابات، اتصلت بالزملاء وكان من بينهم فون مولوندورف وشاورتهم في الأمر وقلت لهم أني لا أستطيع أن أشغل المنصب. وعندئذ أعلمني زملائي بأن عمليّة الانتخابات قد أعدت وأنه لا يمكنني سحب ترشحي.

شبيغل: وقبلت طبعًا ما هي الأشكال التي اتّخذتها علاقاتك بالقومّيين الاشتراكيين؟

هايدغر: بعد يومين من بدء عملي كرئيس للجامعة اتّصل بي رئيس الطلبة القوميين الاشتراكيين(2) وكان مرفوقا بزميلين له وطلب منّي السّماح لهم بتعليق المنشور الخاص باليهود، فرفضت. وانسحب الطّلاب الثلاثة بعد أن أعلموني أنهم سينقلون قراري إلى قيادة الطّلاب القوميين الاشتراكيين. وبعد أيام اتصلت بي إدارة التعليم العالي بالوزارة تليفونيا وطلبت مني أن أسمح بتعليق المنشور مثلما حدث في بقية الجامعات. وإن أنا رفضت فإني أعرّض نفسي للإقالة وربما أيضا إلى غلْق الجامعة. وحاولت أن أحصل على قبول الوزير بقراري، ولكنه أعلن أنه لا يستطيع. ورغم ذلك لم أتراجع عن قراري.

شبيغل: نحن لا نعرف إلى حدّ هذا الوقت أن الأمور كانت على هذا الشكل؟

هايدغر: السّبب الحقيقي الذي دفعني إلى قبول منصب رئاسة الجامعة هو ذلك الذي كنت أعلنت عنه في محاضرتي الافتتاحيّة بجامعة فرايبورغ سنة 1929:»ماهي الميتافيزيقا؟« أنّ مجالات العلوم منفصلة وبعيدة عن بعضها البعض والطريقة التي تحلل بها العلوم الأشياء تكون مختلفة عن سابقتها اختلافا شديدا في كل مرّة. أن تعدّد مثل هذه العلوم المشتّتة لا يجد الترابط المنطقي اليوم إلا في ذلك الذي يمنحه له التنظيم التقني للجامعات والكليات، وبين مثل هذه الإختصاصات ليس هناك سوى نقطة التقاء وحيدة، وهي الاستعمال العملي لها. وفي مقابل ذلك فإن تجذّر العلوم في جوهر وجودها شيء ميّت تماما«. وكلّ ما حاولت القيام به خلال فترة رئاستي للجامعة في ذلك الوقت- وحتى الأشكال المتطرّفة التي بلغها اليوم- موضّح توضيحا كافيا في الخطاب الذي ألقيته يوم تنصيبي رئيسا للجامعة.

شبيغل: نحن نحاول أن نكتشف كيف وإلى أي مدى يتطابق هذا القول الذي أعلنت عنه سنة 1929 مع الخطاب الذي ألقيته في حفل التنصيب سنة 1933. نستخرج جملة من إطارها العام: »الحرية الأكاديمية التي طالما تغنّى بها البعض الآن ملغية تماما من الجامعة الألمانية. ذلك أن مثل هذه الحرية ليست حقيقة ولكنها فقط سلبيّة«. ونحن نعتقد أننا على حق حين نتصوّر أن هذه الجملة تعبر عنها تصوّرات ما زالت قريبا منها ومتطابقا معها إلى حدّ اليوم.

هايدغر: اني احتفظ بما قلت. ذلك أن هذه »الحرية الأكاديمية« لم تكن في أغلب الأحيان إلاّ سلبيّة: الحرية في عدم بذل الجهد، وفي عدم انفتاح على التأمّل والتفكير اللذين تتطلبهما الدّراسات العلميّة. وأما بخصوص الجملة التي ذكرتها الآن، فإنها لا يجب أن تقرأ وهي معزولة عن إطارها العام. ففي هذا الإطار العام فقط يمكن للإنسان أن يفهم ما كنت أقصده بالحرية السّلبية.

شبيغل: نعم. ولكننا نعتقد أن في خطابك الافتتاحي هناك نغم جديد خاصة عندما تتحدث بعد أربعة أشهر من صعود »هتلر« إلى الحكم كمستشار للرايخ عن »عظمة وبهاء هذه الانطلاقة«.

هايدغر: هكذا كان رأيي في ذلك الوقت.

شبيغل: هل تستطيع أن توضّح لنا ذلك بأكثر دقّة؟

هايدغر: طبعا لم أكن أرى في ذلك الوقت أيّ حلّ آخر. ووسط الفوضى العامّة للآراء والتيارات السياسية التي كان يمثلها اثنان وعشرون حزبا كان لابدّ من إيجاد موقع قومي وخاصة اجتماعي في الاتجاه لمحاولة فريدريك نومان(3) Friedrich Naumann) وأريد أن أذكر على سبيل المثال بدارسة لإدوارد سبرائغير(4) (Eduard Spranger) تذهب أبعد من خطابي الذي ألقيته في حفل الافتتاح.

شبيغل: في أي وقت بدأت تهتم بالسياسة؟ الاثنان وعشرون حزبًا كانت موجودة قبل ذلك وكان هناك أيضا ملايين من العاطلين سنة 1930.

هايدغر: في ذلك الوقت كنت مهتما أساسا بالمسائل التي وردت في »الوجود والزمن«

(Sein und Zeit) وبالكتابات والمحاضرات التي ألقيتها في السنوات الموالية. أنها مسائل فكرية أساسية على علاقة غير مباشرة بالمسائل القومية والإجتماعية. والمسألة الأكثر إلحاحا بالنسبة لي كأستاذ جامعي في ذلك الوقت كانت مسألة مصير العلوم واتجاهاتها، وفي نفس الوقت تحديد دور الجامعة وعملها. وهذا البحث كان واضحا في عنوان خطاب حفل التنصيب:»اثبات الجامعة الألمانية لوجودها« لم يكن هناك حفل تنصيب تجرّأ على اتخاذ مثل هذا العنوان في ذلك الوقت. ولكن من بين هؤلاء الذين تحاملوا على هذا الخطاب وانتقدوه... قرأ وتأمّل فيه جيّدا وفسره انطلاقا من ظروف تلك المرحلة؟

شبيغل:»إثبات الجامعة لوجودها« في عالم متقلّب ألا يبدو هذا في غير أوانه وفي غير محلّه؟

هايدغر: كيف ذلك؟ »اثبات الجامعة لوجودها« لقد كان هذا يتعارض مع ما يسّمى »بالعلم السياسي« الذي منذ ذلك الوقت، كان مطالبا به داخل الحزب وداخل صفوف الطلاّب القوميين الاشتراكيين. وهذه التسمية »العلم السياسي« كان لها معنى يختلف تماما عن معنى اليوم. انها لا تعني السّياسة في حدّ ذاتها بل تعني ما يلي: إن العلم الحقيقي هو ذلك الذي يكون مفيدا للشعب وملبّيا لرغائبه. وما ذكرته في خطاب الافتتاح كان يتعارض تماما مع هذا الاتجاه »التسييسي« للعلم(5).

شبيغل: هل نحن نفهمك جيّدا؟ هل كنت تريد في ذلك الوقت التأكيد على أصالة الجامعة وحمايتها من تلك التيارات القوية التي كانت تتهددها؟

هايدغر: نعم. وأمام التنظيم التقني للجامعة لابد من أن يكون لإثبات الوجود معنى جديد انطلاقا من التفكير في تقاليد الفكر الغربي الأوروبي.

شبيغل: سيادة الأستاذ. هل نستطيع أن نفهم من كلامك أنك كنت تريد إنقاذ الجامعة بالتعاون مع القوميين الاشتراكيين؟

هايدغر: إن هذا الفهم خاطئ. لا بالتعاون مع القوميين الاشتراكيين. الجامعة لابدّ أن تتحدّد انطلاقا من نفسها وأن تحصل على موقع قويّ وصلب أمام »تسييس« العلم في المعنى الذي كنت وضحته من قبل.

شبيغل: ولهذا أنت ذكرت في خطاب الافتتاح هذه الركائز الثلاث: العمل- الدّفاع- المعرفة.

هايدغر: ليس هناك ركائز. إذا أنتم تأمّلتم جيّدا فإن المعرفة تحتل الدرجة الثالثة ولكن المعنى يعطيها الدّرجة الأولى. ما يجب أن يتأمّل فيه هو أنّ العمل والدفاع مثل كل نشاط إنساني متأسسان انطلاقا من علم ما ومستنيران به وبه يهتديان.

شبيغل: لابدّ أن نتحدث - ثم سوف ننتهي بعد ذلك من ذكر مثل هذه الاستشهادات المضجرة- عن جملة لا تتصور أنك مقتنع بها اليوم. قلت في خريف 1933:»لا يجب أن تكون النظريات والأفكار هي قاعدة وجودك. وحده »الفوهرر« هو الحاضر والمستقبل والواقع الألماني وقانونه«.

هايدغر: هذه الجملة لا توجد في خطاب حفل التنصيب ولكن في الجريدة الداخلية »لطلاب فرايبورغ« وذلك في بداية الفصل الدّراسي لشتاء 1933-1934.

عندما قبلت أن أكون رئيسا للجامعة، كنت أعرف أني لابدّ أن أقدّم بعض التنازلات. أني لا أكتب اليوم الجمل المذكورة. ولم أقل مثلها أبدا منذ 1934.

شبيغل: هل نستطيع أن نلقي عليك سؤالا عرضيّا؟ هذا الحوار وضح الآن أن موقفك خلال سنة 1933 كان يتأرجح بين اتجاهين. أولا كنت مجبرا على قول بعض الأشياء. وهذا هو الاتجاه الأول. ولكن الاتجاه الثاني كان على الأقل أكثر ايجابيّة وذلك عندما تقول: كنت أحسّ أن هناك شيئا جديدا. أن هناك انطلاقة«.

هايدغر: هذا ما كنت أقصده. لم أتكلّم متصنّعا ذلك وإنما لأني كنت أرى حقا هذه الإمكانية.

شبيغل: أنت تعرف أنه انطلاقا من هذه الأشياء اتهمت بأنك كنت على علاقة مع القوميين الاشتراكيين ومع جمعيّاتهم. ومثل هذه الاتهامات التي بلغت الجمهور الواسع ظلّت إلى حدّ الآن دون توضيح. وهناك من يتهمك بأنك ساهمت في عمليّات حرق الكتب التي نظمها الطلاب الهتلريون.

هايدغر: لقد منعت عملية حرق الكتب التي كانت ستحدث أمام مبنى الجامعة.

شبيغل: ثم أن هناك من يتهمك بأنك أخرجت من مكتبة الجامعة ومن منتدى الفلسفة مؤلفات الكتاب اليهود؟

هايدغر: لم تكن لي سلطة كرئيس لا على المنتدى ولا على مكتبته. ولم أرضخ أبدا للأوامر المتكرّرة التي كانت تلّح على ضرورة القضاء على المؤلفات اليهودية. وبعض الذين ساهموا قديما في بعض أعمالي في منتدى الفلسفة باستطاعتهم أن يشهدوا على أننا لم نخرج مؤلفات اليهود وأننا كنا نناقش أعمالهم وخاصة أعمال هوسرل (HUSSERL) التي ظلت تُناقش وتفسر مثلما كان الأمر قبل 1933.

شبيغل: كيف تفسّر اذن أسباب انتشار مثل هذه الاتهامات؟ هل هو الخبث والنميمة؟

هايدغر: بسبب معرفتي بمصدرها، لا أستطيع أن أنكر، غير أن أسباب النّميمة أعمق من ذلك. أن قبولي برئاسة الجامعة ليست الفرصة والسبب الرئيسي لما حدث. ولهذا  فإن الجدال يشتعل كلما سنحت الفرصة لذلك.

شبيغل: بعد سنة 1933 كان لك طلاّب يهود. وعلاقتك بالبعض منهم كانت حميمية.

هايدغر: لم يتغيّر موقفي منذ 1933. وإحدى طالباتي وإسمها هيلين فايس (Helen Weiss) وكانت الأكثر نبوغا هاجرت بعد ذلك إلى اسكتلندا، وقد أعدّت رسالتها لنيل شهادة الدكتوراة في جامعة »بال« بعد أن تعذّر عليها القيام بذلك في »فرايبورغ« وعنوان رسالتها: »السببيّة والصدفة في فلسفة أرسطو« وقد صدرت في بال سنة 1942. وفي مقدمتها كتبت المؤلفة مايلي: إن محاولة التفسير الفينومنولوجي التي سأقدم منها الجزء الأول ساعدتني على القيام بها تفسيرات لهايدغر لم تنشر إلى حدّ الآن حول الفلسفة الاغريقية. وها هي نسخة من هذه الرّسالة مع الإهداء وقد زرت السيدة فايس مرات عديدة قبل وفاتها.

شبيغل: كنت صديقا لمدة طويلة لكارل ياسبرس. وبعد 1933 تعكّرت صداقتكما. والشائعات تقول بأن سبب هذا التعكّر هو أن زوجة ياسبرس يهودية. هل تستطيع أن تقول شيئا حول هذا الموضوع؟

هايدغر: كنت صديقا لياسبرس منذ ٩١٩١. وقد زرته وزرت زوجته في »هايدلبارغ« خلال فصل صيف 1933. وقد أرسل لي ياسبرس كل كتبه بين 1934 و1938 مع »تحية ودّية«.

شبيغل: كنت تلميذا لهوسرل الفيلسوف اليهودي الذي كان يُدرس الفلسفة في جامعة »فرايبورغ« وقد أمر بتعيينك بعده في الجامعة. هل تعترف له بالجميل؟

هايدغر: أنتم تعرفون الإهداء في كتابي »الوجود والزمن«.

شبيغل: طبعا. ولكن علاقتك به تعكرت بعد ذلك هل تستطيع وهل ترغب في أن تقول لنا لم يعود ذلك؟

هايدغر: الاختلافات بشأن المسائل الجوهرية احتدت وتفاقمت. في بداية الثلاثينات، راح هوسرل يقوم بعملية تصفية حسابات مع ماكس شلير ومعي أنا بصفة علنية. ولست قادرا على إدراك السبّب الذي دفع هوسرل إلى التحامل على أفكاري الفلسفية علنا.

شبيغل: في أية مناسبة تمّ ذلك؟

هايدغر: في قصر الرّياضة ببرلين تحدث هوسرل أمام الطلاّب.  وقد كتب أريك موهسام  (Erich Mühsam) عن هذا التدخل في إحدى الصحف الكبرى ببرلين.

شبيغل: الخصومة ليست هامّة في حدّ ذاتها. المهم أنها ليست على علاقة بما حدث سنة 1933.

هايدغر: أبدا.

شبيغل: يقال أنك في سنة 1941 عند صدور الطبعة الخامسة من »الوجود والزمن« تعمّدت حذف الإهداء الأول إلى هوسرل.

هايدغر: نعم ... هذا صحيح. وقد وضحت السّبب في كتابي: (Unterwegs zur Sprache) حيث نجد ما يلي: »لكي أرد على ادّعاءات خاطئة ترددت مرات عديدة، لابد أن أقول أن الإهداء في Sein und Zeit ظل في مكانه في الطبعة الرابعة التي صدرت سنة 1935. وعندما رأى الناشر أن الإهداء سوف يُعرض الكتاب إلى بعض المضايقات، وربّما إلى المنع، طلب مني حذفه فقبلت شريطة أن يبقى على الملاحظة الواردة في الصفحة 38 والتي جاء فيها: »إذا ما تقدم هذا البحث خطوات إلى الأمام في مجال دراسة الأشياء ذاتها، فإن المؤلف يتقدم بالشكر إلى هوسرل الذي ساعده على تطويع موضوعه خلال سنوات الدراسة في فرايبورغ وذلك بفضل حسن توجيهه وقوة انتباهه إلى الأعمال المتعلقة بالفينومنولوجيا والتي لم تجد الفرصة لكي تنشر«.

شبيغل: إذن لا فائدة من أن نسألك هل أنت حقا منعت الأستاذ الشرفي هوسرل من الدخول إلى مكتبة الجامعة وإلى مكتبة منتدى الفلسفة عندما كنت رئيسا للجامعة؟

هايدغر: إنها نميمة وخساسة.

شبيغل: ولا توجد أيضا رسالة يوجد فيها مثل هذا المنع؟ كيف وُجهت مثل هذه التهمة؟

هايدغر: لست أدري.. ولا أجد تفسيرا لذلك. وأستطيع أن أبين لكم استحالة مثل هذه التهمة بذكر حدث ليس معروفا هو أيضا. عندما كنت رئيسا للجامعة أقالت وزارة التعليم أستاذين يهوديين من منصبهما. الأول هو فون هاوزر الذي حاز بعد ذلك على جائزة نوبل... والذي كان في ذلك الوقت أستاذا للطب ومديرا للمستشفى الجامعي. والثاني فون هيفسي وهو أستاذ للفيزياء والكيمياء. ولكني استطعت أن أعيدهما إلى منصبهما بفضل اتصالات قمت بها شخصيا داخل الوزارة. أن أقوم بمثل هذا العمل، وفي نفس الوقت أتصرّف مع هوسرل الذي كان متقاعدا في تلك الآونة، والذي كان أستاذي ومعلمي بمثل هذا التصرّف، هذا غير معقول تماما ثم أني منعت أيضا مظاهرة كان يريد الطلبة وبعض الأساتذة تنظيمها ضد الأستاذ فون هاوزر. في ذلك الوقت كان هناك ما يسّمى بـ(Privatdosenten) (6) (أي الأساتذة بلا كرسي) الذين تجاوزوا الحد وكانوا يقولون:»أنها لفرصة لكي تتقدّم على الأمام«. وعندما اتصلوا بي طردتهم.

شبيغل: أنت لم تحضر دفن هوسرل.

هايدغر: أريد أن أقول أن التهمة التي تقول بأني أنا الذي سعيت إلى قطع علاقاتي بهوسرل ليس لها أيّ أساس من الصحة. لقد كتبت زوجتي في أيار/مايو 1933 رسالة إلى السيدة هوسرل باسمنا وذكرت فيها اعترافنا لهما الدائم بالجميل. وأرسلت هذه الرسالة مرفوقة بباقة زهور إلى هوسرل. وقد رّدت السيدة هوسرل باختصار شديد. وأعلمتنا أن العلاقة بين العائلتين قد انتهت. إن كنت تقاعست عن التعبير عن إعترافي بالجميل وعن احترامي وتقديري خلال مرض وموت هوسرل، فهذا خطأ إنساني ... وقد اعتذرت عن ذلك أمام السيدة هوسرل في رسالة أرسلتها لها...

شبيغل: مات هوسرل سنة 1938. ومنذ فبراير 1934 قدمت استقالتك من رئاسة الجامعة. كيف توصلت إلى هذا القرار؟

هايدغر: هنا لابد أن أتوسّع قليلا في الكلام عن الجزئيات لتجاوز التنظيم التقني للجامعة، أي لتجديد الكليات من الداخل انطلاقا من أعمالها تجاه الأشياء ذاتها. اقترحت خلال فصل الشتاء 1933-1934 تسمية زملاء يصغرونني سنا في عمادات مختلف الكليات وكانت مقدرتهم كبيرة في ميادين اختصاصهم. وهذا دون النظر إلى علاقتهم بالحزب. وهكذا أصبح أريف فولف عميدا لكلية الحقوق وشادوولدت عميدا لكلية الفلسفة وسورغال عميدا لكلية العلوم وفون مولوندورف الذي أقيل من منصب رئاسة الجامعة عميدا لكلية الطب. ومنذ نهاية 1933 اتضح لي أن عملية التجديد داخل الجامعة مستحيلة بالنسبة لي بسبب مقاومة رجال التعليم والحزب لذلك مثلا... البعض من الزملاء انتقدني لأني أدخلت بعض الطلاب إلى مجلس إدارة الجامعة وهو أمر يحدث الآن بصفة عادية. ويوما ما دعيت إلى الوزارة وطلبت مني أن أعوض العمداء الذي عينتهم بزملاء آخرين. وقد رفضت هذا الاقتراح، وهدّدت بتقديم استقالتي إذا ما أصرت الوزارة على ذلك. وهذا ما تم بالفعل. في شهر فبراير 1934 استقلت، وكان هذا بعد عشرة شهور من بدء مهامي كرئيس للجامعة. وقد صمتت الصحافة الألمانية والأجنبية عن هذا الأمر بينما كانت أعلنت عن تعييني بشيء من الضجة.

شبيغل: هل توفّرت لك الفرصة في هذه الفترة لعرض أفكارك حول إصلاح الجامعة أمام الوزير المفوض من قبل الرايخ؟

هايدغر: متى في هذه الفترة؟

شبيغل: أنت تعلم أننا نتحدث دائما عن الرحلة التي كان من المحتمل أن يقوم بها »روست« (Rust) لفرايبورغ عام 1933.

هايدغر: الأمر يتعلّق بحادثتين مختلفتين: بمناسبة الاحتفال بذكرى شلاغتير (Schlageter)(7) في »شوتاو« بمقاطعة »فورتنبارغ«. كان هناك لقاء رسميّ قصير فيه صافحت الوزير. في ما بعد تحدثت مع الوزير في برلين في نوفمبر/تشرين الثاني 1933. وقد عرضت عليه مفهومي للعمل، وللشكل الذي يمكن أن نمنحه للكليّات. وقد أنصت إلي بانتباه حتى أني آملت أن يلقى العرض الذي قدمته وقعا وصدى عنده. غير أنه لم يحدث شيء. وأنا لا أستطيع أن أفهم لماذا يؤاخذني بعض الناس على هذا الحوار مع وزير التربية في حكومة الرايخ الثالث في تلك الفترة التي كانت فيها كل الحكومات الأجنبية تتسارع للاعتراف بهتلر، مانحة إياه الثقة المتعارف عليها في العلاقات بين الأمم.

شبيغل: هل تغيرت علاقتك بالقوميين الاشتراكيين بعد استقالتك من رئاسة الجامعة؟

هايدغر: بعد استقالتي اقتصرت على القيام بعلمي كأستاذ. وخلال فصل صيف 1934، قدّمت درسا في المنطق. وفي الفصل الثاني 1934-1935، درسا حول هولدرلين (Holderlin) وفي سنة 1936 شرعت في دروسي حول نيتشه. والذين كانت لهم قدرة على الاستماع فهموا أن ما قلته في تلك الدروس كان موجّها للقومية الاشتراكية.

شبيغل: كيف تمت عملية تنصيب الرئيس الجديد؟ هل حضرت الحفل؟

هايدغر: رفضت حضور الحفل الرسمي.

شبيغل: هل كان الرئيس الجديد عضوا في الحزب؟

هايدغر: كان رجل قانون. وجريدة الحزب Der Alemanne أعلنت عن تسميته رئيسا بعنوان كبير: »أول رئيس جامعة قومي اشتراكي«.

شبيغل: كيف تصرف الحزب معك؟

هايدغر: كنت دائما تحت المراقبة.

شبيغل: وكنت على علم بذلك؟

هايدغر: نعم: قضية الدكتور هانكه (Hanke).

شبيغل: كيف لاحظت ذلك؟

هايدغر: لقد جاء لزيارتي بعد أن تقدم لمناظرة الدكتوراه خلال فصل الشتاء 1936-1937 وساهم  في المنتدى الأعلى الذي أشرفت عليه خلال صيف 1937. لقد أرسلته المخابرات لمراقبتي.

شبيغل: ولماذا جاء فجأة لزيارتك؟

هايدغر: بسبب الندوة التي خصصتها لنيتشه خلال فصل صيف 1937. وقد اعترف لي بعد اطلاعه على الطريقة التي كان يجري بها العمل، أنه لا يستطيع القيام بمهمّه المراقبة وأنه أراد أن يعلمني بذلك حتى أتمكن من معرفة ما يمكن أن يحدث لي في المستقبل.

شبيغل: كان الحزب يراقب بشدّة إذن؟

هايدغر: كنت أعرف أنه ممنوع الكلام حول كتبي... مثلا حول الدراسة التي قمت بها عن نظرية أفلاطون في المعرفة. وقد هاجمت مجلة الشبيبة الهتلرية بخساسة كبيرة محاضرتي عن هولدرلين التي ألقيتها خلال ربيع 1936 بالمعهد الألماني بروما. والذين يهمّهم الأمر يستطيعون العودة إلى مجلة أريك كرياك (Volk im Werden) لكي يقرأوا الهجوم الذي شن ضدّي ابتداءً من صيف 1934. وقد رفضت الحكومة الألمانية إرسالي لحضور المؤتمر العالمي للفلسفة الذي انعقد ببراغ 1934. كما أني لم أحضر المؤتمر العالمي الخاص بديكارت الذي انعقد بباريس سنة 1937. وقد استغربت لجنة المؤتمر بباريس غيابي فأرسلت لي عن طريق الأستاذ بريهياي أستاذ الفلسفة بجامعة السربون لتستوضحني الأمر، ولتفهم الأسباب التي جعلتني لا أكون ضمن الوفد الألماني. وفي جوابي طلبت من لجنة المؤتمر أن تستوضح الأمر لدى وزارة التعليم في الرايخ. وبعد ذلك جاءتني دعوة من برلين تطلب مني الالتحاق بالوفد فرفضتها. وقد بيعت نصوص المحاضرتين »ما هي الميتافيزيقا؟« و»جوهر الحقيقة« خفية ودونما غلاف. وقد سحب خطابي الذي ألقيته أثناء تنصيبي رئيسا، من المكتبات بعد سنة 1934 بأمر من الحزب.

شبيغل: ثم تدهورت الأوضاع بعد ذلك؟

هايدغر: في السنة الأخيرة من الحرب أعفي خمسمائة من أهمّ العلماء والفنانين من الخدمة العسكرية. ولم أكن أنا من بينهم بل بالعكس دعيت خلال صيف 1944 للقيام بأعمال تحصين على نهر »الراين«.

شبيغل: كان كارل بارت (Kart Barth) يقوم بالتحصين على الضفة الأخرى، الضفة السويسرية.

هايدغر: الطريقة التي تمّت بها الأحداث كانت هامة. دعا رئيس الجامعة كل الجهاز التعليمي وألقى خطابا قصيرا محتواه ما يلي: أن الإجراءات التي اتخذها موافق عليها من طرف الأجهزة العليا،

ومن الحزب القومي الاشتراكي. وهو سيقسّم الجهاز التعليمي، إلى ثلاث مجموعات أولا مجموعة لا يمكن الاستغناء عنها، ثانيا مجموعة يمكن ولا يمكن الاستغناء عنها. ثالثا مجموعة يمكن الاستغناء عنها تماما. وكان في رأس قائمة من يمكن الاستغناء عنهم هايدغر وريتر٭.

وخلال فصل شتاء 1944-٥٤٩١، بعد انتهاء أعمال التحصين على نهر »الراين« قدمت درسا بعنوان:»الشعر والفكر« (Dichten und Denken). وكان تكملة لدرسي حول نيتشه أي أنه توضيح لموقفي من القومية الاشتراكية. وبعد الدرس الثاني جندت قي الميليشيا الشعبيّة (Volkssturm) وكنت أكبر سنا من كل المجندين من الجهاز العلمي.

شبيغل: يمكن أن نلخّص الأمور على النحو التالي: في عام 1933، كإنسان ليس منخرطا في السياسة بالمفهوم الضيّق للسياسة، وليس في مفهومها الواسع، أنت انخرطت في سياسة هذه الحركة التي كانت تبدو كأنها انطلاقة...

هايدغر: عن طريق الجامعة...

شبيغل:... أنت انخرطت إذن عن طريق الجامعة في هذه الحركة التي كنت ترى فيها انطلاقة. بعد حوالي عام، أنت تخلّيت عن الوظيفة التي كنت تؤدّيها. وفي درس ألقيته عام 1935، ولم ينشر إلاّ عام 1953 تحت عنوان: »مدخل إلى الميتافيزيقا«:ما يروّج اليوم- ويعني ذلك عام 1935 باسم الفلسفة »القومية الاشتراكية، غير أنه لا يرتبط بأية علاقة مع الحقيقة الدّاخلية وعظمة هذه الحركة (أي مع اللقاء بين التّقنية في مفهومها الكوني، وإنسان العصور الحديثة)، اختار هذه المياه العكرة التي تسمّى »قيما« و»كليّات« لكي يرمي فيها شباكه. هل أضفت هذه الكلمات بين قوسين فقط عام 1953، أي عند صدور الكتاب- ربما لكي تشرح للقارئ عام 1953 أين كانت تكمن بالنّسبة لك »الحقيقة الداخلية وعظمة هذه الحركة«، أي »القومية- الإشتراكية-، أم  هل أن القوسين المقصود بهما الشرح كانا موجودين في نصّك عام 1935؟

هايدغر: كانا موجودين في المخطوط، ويقابلان بالضّبط المفهوم الذي كان عندي في ذلك الوقت للتّقنية، وليس بعد التفسير الذي خصّت به التكنولوجيا في ما بعد كـ(GE- STELL) أنا لم أضع القوسين في الدّرس الذي قدمته فهذا يقوم على الإعتماد الذي كان عندي بأن المستمعين الذين كانوا قادرين على إدراك ما كنت أقصده. ولم يكن يهمّني أن يفهم الأغبياء، الجواسيس، والمخبرون شيئا آخر من كلامي...

شبيغل: الحركة الشيوعية بالنسبة لك كانت بلاشك من هذا الصنف؟

هايدغر: نعم، ومن دون أي شك في ذلك إذ أنها هي أيضا محدّدة بالتّقنية الكونية....

شبيغل: النّمط الأمريكي أيضا؟

هايدغر: ما قلته يمكن أن ينطبق على هذا النّمط أيضا. في غضون الثلاثين سنة الأخيرة يمكن أن يتأكد بوضوح أن الحركة الكونية لتقنية العصور الحديثة قوة تحدّد التاريخ، وأن عظمتها لا يمكن الإفراط في تقديرها. وهذه بالنسبة لي مسألة حاسمة لمعرفة كيف يمكن أن نقابل بشكل عام نظاما سياسيّا مع العصر التقني، وماذا يمكن أن يكون هذا النظام. أنا لا أستطيع أن أكون واثقا من أنه سيكون الديمقراطية....

شبيغل: لكن الديمقراطية ليست مفهوما عامّا فيه يمكن أن نضع تصوّرات مختلفة. السؤال هو أن نعرف إذا ما كان تحوّل هذا الشكل السياسي لا يزال ممكنا. لقد تحدثت بعد عام 1945 عن التّطلعات السياسية للعالم الغربي، كما تحدثت أيضا في هذا النطاق، عن الديمقراطية، وعن التعبير السياسي للنظرة المسيحية للعالم وفي نفس الوقت عن الدولة القائمة على القانون. وقد أطلقت على هذه التطلعات اسم »أنصاف حلول«...

هايدغر: قبل كل شيء، اسمحوا لي أن أقول أين تحدثت عن الديمقراطية وعن تلك الأشياء التي ذكرتموها في ما بعد. يمكنني أن أسمّي ذلك بالفعل »أنصاف حلول« ذلك أنني لا أرى في كل هذا إعادة نظر حقيقية في العالم التّقني إذ أن هناك خلف كل هذا، بحسب رأيي، فكرة تقول بإن التقنية في جوهرها شيء يمتلكه الإنسان. وبرأيي، ليس هذا ممكنا. إن التقنيّة في جوهرها شيء ليس بإمكان الإنسان لوحده التحكّم فيه.

شبيغل: من كلّ التيارات التي أجملنا وصفها، ما هو برأيك التيّار الذي يمكن أن ينسجم مع عصرنا؟

هايدغر: بخصوص هذا الأمر، أنا لا أرى شيئا. غير أنني أرى هنا مسألة حاسمة. يتحتّم علينا قبل كل شيء توضيح ما أنتم تعنونه بـ: منسجم مع عصرنا«، وماذا يعني »العصر« هنا، بل أكثر من ذلك، يتحتّم علينا أن نتساءل إذا ما كان الإنسجام مع العصر هو مقياس »الحقيقة الداخلية« للفعل الإنساني، هذا إذا ما كان الفعل الإنساني الذي يمنح المقياس ليس هو »الفكر والشعر« (DAS DENKEN UND DAS DICHTEN) بغض النظر عن الابتذال الذي  سقطت فيه هذه العبارة.

شبيغل: من الواضح، أننا حين ننظر، نلاحظ أن الإنسان، في كلّ عصر، لا يتوصّل إلى حلّ مشاكله

أو إيجاد حلول للقضايا التي يواجهها، بآلته وحدها، حتى ولو كان هذا الإنسان مُطلق جنّ. ليس من الإفراط في التشاؤم أن نقول: ليس باستطاعتنا الخلاص بهذه الآلة التي هي بالتأكيد أكبر بكثير، نعني بذلك التقنية الحديثة؟

هايدغر: تشاؤم، هذا لا.. التشاؤم والتفاؤل هما في مجال التفكير الذي نحاوله في هذه اللحظة، لحظة اتخاذ مواقف جدّ قصيرة. لكن التقنية الحديثة ليست »آلة«، ولا علاقة لها بالآلات...

شبيغل: لماذا تصرعنا التقنية إلى هذا الحد؟

هايدغر: لا أقول »تصرعنا«. اقول أنه ليس لدينا إلى حدّ الآن طريق يناسب كائن التقنية...

شبيغل: بإمكاننا أن نعارضك بكلّ سذاجة بهذا: ما هو الشيء الذي علينا أن نتحكّم فيه هنا؟ ذلك أن كلّ شيء يعمل بانتظام. فنحن نقيم المزيد من المحطات الكهربائية. والإنتاج جيّد. وحاجيات الناس الذين يعيشون في هذا الجزء من العالم حيث تعرف التّقنية تطوّرا كبيرا مدبّرة. نحن نعيش في الرفاهية. ما الذي ينقص هنا في النهاية؟

هايدغر: كلّ شيء يعمل. القلق متأتّ من أن كلّ شيء يعمل، وأن العمل يأتي دائما بعمل آخر جديد، وأن التقنية تجتثّ الإنسان من الأرض دائما، وتقطع جذوره منها. لست أدري إن كان هذا يفزعكم، أما أنا فأقول على أية حال، بأن ما أفزعني هو أن أرى صورًا مرسلة من القمر إلى الأرض. نحن لسنا بحاجة إلى القنبلة الذرية، ذلك أن قطع جذور الإنسان حصل. ونحن لم نعد نعيش غير ظروف تقنية بحتة. لم تعد أرضا هذه الأرض التي يعيش عليها إنسان اليوم.

لقد تحاورت مؤخّرا، ولوقت طويل، في »البروفانس« الفرنسية، مع رنيه شار، الشاعر، والمقاوم الذي ساهم في حركة المقاومة خلال الحرب الكونية الثانية، كما أنتم تعلمون. وفي »البروفانس« هم يقيمون راهنا محطات نووية، والمنطقة بأسرها تشهد تحزيبا لا يمكن تصّوره. والشاعر الذي لا يمكننا أن نتهّمه بالعاطفية، أو بالرغبة في التغزّل بالطبيعة، قال لي أن قطع جذور الإنسان الذي تمّ هناك في »البروفانس« يعني النهاية، إذا لم يتمكن الفكر والشعر من أن يتبّوأ عرش السّلطة من دون عنف،  والتي هي سلطتهما.

شبيغل: علينا أن نعترف أننا نفّضل أن نكون هنا، ومادمنا أحياء، لن نكون مجبرين دون شك على الرحيل. لكن من يعلم إذا ماكان مصير الإنسان هو أن يكون على الأرض؟ ولا يمكن أن نتصور أن يكون الإنسان بلا مصير أبدا. لكن على أية حال، بإمكاننا أن نرى أيضا محاولة أخرى للإنسان بحيث أنه انطلاقا من هذه الأرض، يمكن أن يمدّ سيطرته على الكواكب الأخرى. وبالتأكيد، لا يزال هناك وقت طويل لكي نصل إلى هذا المستوى. بكلّ بساطة، أين مكتوب بأن مكان الإنسان هو هنا على الأرض؟

هايدغر: من خلال تجربتنا وتاريخنا الإنسانيين، وحسبما أعلم، فأني اعتقد أن شيئا أساسيّا وكبيرا لم يولد ولم ير النور إلاّ لأن الإنسان له وطن HEIMAT وأنه متجذّر في تراث معيّن. الأدب اليوم مثلا، تخريبي وتدميري بشكل واسع.

شبيغل: »كلمة« »تخريبي«، تقلقنا هنا، ومن جملة الأسباب الدّاعية لذلك، هو أن كلمة »عدمي« أخذت منك ومن فلسفتك معنى سياقه جدّ متّسع. ونحن نصدم عندما نسمع كلمة »تخريبي« منقوله إلى الأدب، والتي بإمكانك، بل عليك أن تعتبرها كما لو أنها جزء من هذه العدميّة.

هايدغر: بودّي أن أقول إن الأدب الذي أنا أتحدث عنه ليس عدميّا بالمعنى الذي استعمل فيه هذه الكلمة.

شبيغل: أنت ترى بوضوح، وقد قلنا لك ذلك بهذه العبارات، بأن هناك حركة عالميّة تقود أو قد تكون قادت إلى ظهور دولة تقنية مطلقة؟

هايدغر: نعم.

شبيغل: حسن. إذن هناك سؤال يطرح بطبيعة الحال: هل لا يزال باستطاعة الكائن البشري أن يكون له تأثير على نسيج هذه الأحداث التي لابدّ أن تحدث، أو أن بإمكان الفلسفة أن يكون لها تأثير أو الإثنان معا، في نطاق أن الفلسفة تقود الفرد أو عدة أفراد إلى القيام بفعل محدّد؟

هايدغر: إذا ما أنتم سمحتم لي بإجابة مختصرة أو ربما شاملة، غير أنها ناتجة عن تفكير طويل فإني أقول بإن الفلسفة ليس بإمكانها أن تنتج حدثا فوريّا يغيّر الوضع الراهن للعالم. وهذا لا يقتصر فقط على الفلسفة، وإنما هو يعني أيضا كل ما يتّصل بالمشاغل وبالتطلعات المتّصلة بالإنسان. فقط وحده الله يمكن أن ينجيّنا. لم تتبق لنا غير محاولة واحدة وهي أن نعدّ في الفكر وفي الشعر إمكانية لظهور الآلهة أو لغيابها في تدهورنا. أن نتدهور أمام الآلهة الغائبة.

شبيغل: هل هناك علاقة بين فكرك وظهور الآلهة؟ هل هناك في نظرك، علاقة سببيّة؟ وهل تعتقد أن نفكر في هذه الآلهة بطريقة تجعلها تأتي إلينا؟

هايدغر: نحن ليس بمقدورنا أن نأتي بها بالفكر، بمقدورنا على المستوى الأفضل أن نوقظ إمكانية ما لانتظارها.

شبيغل: لكن هل باستطاعتنا أن نساعد على ذلك؟

هايدغر: إعداد الإمكانية يمكن أن تكون النّجدة الأولى. العالم لا يمكن أن يكون ما هو وكما هو بالنسبة للإنسان، غير أنه لا يمكن أن يكون دون الإنسان. وهذا يعود، بالنسبة لي، إلى أن كلمة تأتي من بعيد، محمّلة بالعديد من المعاني، واليوم هي أصبحت مبتذلة، وأسمّي ذلك »الوجود« هي بحاجة إلى الإنسان لإظهارها، ولتشكيلها، ولصيانتها. إن جوهر التقنيّة، أراه في ما أنا أسميه بـ GE-STELL، وهي عبارة عادة ما تستعمل بشكل سيء، أو بشكل مثير للسّخرية. إن هيمنة GE-STELL تعني ما يلي: الإنسان يتحمّل المراقبة، ومطلب أمر من قوة تتجلّى في التقنية، والتي لا يمكن أن تسيطر على نفسها: الفكر لا يزعم أنه باستطاعته أن يفعل أزيد من ذلك. الفلسفة لم تعد تتحمّل أكثر ممّا في استطاعتها تحمّله. لقد استنزفت قواها.

شبيغل: في الزمن الماضي- وليس فقط في الزمن الماضي- اعتقدنا أن الفلسفة لها نتائج غير مباشرة أو نادرا ما تكون لها نتائج مباشرة، غير أنه بإمكانها أن تكون لها كثير من النتائج غير المباشرة، وأنها أحدثت تيارات جديدة. وإنما نحن اقتصرنا على الألمان وحدهم، وذكرنا الأسماء الكبيرة مثل كانط، وهيغل وحتى نيتشه، من دون حتى ذكر ماركس، في حين أنه باستطاعتنا أن نقدّم الدليل على أن الفلسفة، من خلال طرق متعرّجة، كان لها تأثير هائل. هل تريد أن تقول الآن أن هذا التأثير للفلسفة انتهى؟ وعندما تقول إن الفلسفة القديمة ماتت، وأنها لم تعد موجودة، فهل هذا يعني أنك تفكر في نفس الوقت أن تأثير الفلسفة، إذا ما كان لها تأثير، فإن هذا التأثير لم يعدّ موجودا؟

هايدغر: فكرة أخرى يمكن أن يكون لها تأثير غير مباشر، لكن ولا واحدا من التأثيرات يمكن أن يكون مباشرا بطريقة تجعلنا نقول إن الفكرة »تحدث« تغييرا في وضع العالم.

شبيغل: المعذرة، نحن لا نريد أن نتفلسف، وليس باستطاعتنا أن نفعل ذلك على أية حال، غير أننا نلمس هنا الصّلة بين السياسة والفلسفة، لهذا أسمح لنا أن نجرّك إلى هذا الموقع في مثل هذا الحوار. كنت تقول قبل قليل إن الفلسفة والفرد لا يمكنهما أن يفعلا خارج...

هايدغر: (مقاطعا) ... خارج الإعداد لإمكانية أن نظل - مفتوحين لقدوم أو لتغيّب المطلق. واختبار هذا التغيّب ليس لا شيء، غير أنه خلاص الإنسان ممّا أنا سمّيته في »الوجود والزمن« بـ»حبوط المسعى« إلى جانب الموجود. التفكير حول ما هو أصبح اليوم جزءا من الأعداد لهذه الإمكانية والذي كنت قد تحدثت عنه.

شبيغل: ولكن في هذه الحالة، لابدّ أن تأتي المساعدة من الخارج مرة أخرى، من آلهة أو أيّ واحد آخر. إذن، منفردا، وبالاعتماد على قواها الخاصّة، ليس بإمكان الفكر أن يكون له تأثير اليوم؟ مع ذلك، هذا التأثير حدث من قبل، بحسب رأي المعاصرين، وبحسب رأينا نحن كما نعتقد ذلك...

هايدغر: لكن ليس بصفة مباشرة.

شبيغل: لقد ذكرنا كانط، وهيغل، وماركس لأنهم كانوا مولّدين لحركة. لكن من لا يبنيتز أيضا، انطلقت محرّضات لتقدم الفيزياء الحديثة، وبالتالي لولادة العالم الحديث بصفة عامة. نحن نعتقد أننا سمعنا قبل قليل أنك قلت إنك لا تعوّل على تأثير هذا الصّنف...

هايدغر: أكثر منه في مجال الفلسفة. إن الدور الذي كانت تلعبه الفلسفة حتى يومنا هذا بدأت العلوم تلعبه في الوقت الراهن. ولكي نوضّح بما فيه الكفاية كلمة »تأثير« الفكر، فإنه يجدر بنا أن نتعمّق أكثر في السؤال وأن نسأل ماذا يمكن أن يعني هنا »تأثير« و»ويكون تأثيره«. وسنكون بحاجة أن نميّز بوضوح بين »(ANLASS) (فرصة) وANTOSS (دفع) و(FOERDERUNG ) (عائق ومانع) و»(MITHILFE) (إسعاف ومساعدة)، بعد ذلك السؤال الذي يطرحه مبدأ العقل يمكن أن يتموضع بما فيه الكفاية. الفلسفة في العلوم الخاصة: السايكولوجيا، (المنطق، وعلم السياسة)

شبيغل: وما الذي أخذ مكان الفلسفة الآن؟

هايدغر: السيبيرنيتيقا (علم التحكم).

شبيغل: أم الإنسان التقيّ الورع الذي يظلّ منفتحا؟

هايدغر: لكن هذا لا يمتّ للفلسفة بأية صلة.

شبيغل: ما هو إذن؟

هايدغر: اسميّ هذا الفكر الآخر.

شبيغل: نسمي هذا الفكر الآخر. هل بإمكانك أن تبلور هذا بشكل أوضح؟

هايدغر: هل تفكرون في الجملة التي تختم محاضرتي »التقنية كسؤال« .(DIF FRAGE NACH DERTECHNICK

التساؤل هو تقوى الفكر؟

شبيغل: لقد عثرنا في الدرس الذي ألقيته حول نيتشه على جملة يمكن أن تكون مضيئة بالنسبة لنا. وفي هذه الجملة، أنت تقول: لأنه في الفكر الفلسفي تهيمن إرادة علاقة رفيعة وسامية حتى أن كل المفكرين يقولون الشيء ذاته. غير أن هذا الشيء ذاته جدّ جوهري وجدّ ثري حتى أن مفكرا بمفرده ليس قادرا على استنفاذه. وكل واحد لا يقوم إلا »بأن يرتبط بالآخر ارتباطا أشد متانة«. غير أن هذا الحصن الفلسفي، يبدو بالنسبة لك، وكأنه وصل إلى الإكتمال.

هايدغر: انه اكتمل. وهذا لا يعني أنه ألغى بالنسبة لنا، لكنه حاضر، مرة أخرى، بحقّ، في الجوار. كل العمل الذي قمت به في دروسي خلال الثلاثين سنة الأخيرة لم يكن بالأساس غير تفسير للفلسفة الغربية. والصعود إلى نقاط الإنطلاق بالنسبة لتاريخ الفكر، والصّبر الذي علينا أن نتحلّى به في التفكير حول المسائل التي لم تصبح بعد  قضية منذ الفلسفة الاغريقية، وكل هذا، لا يعني الإنسلاخ عن الإرث. غير أني أقول: طريقة التفكير المتصلة بالإرث الميتافيزيقي التي اكتملت مع نيتشه لا تمنحنا مطلقا إمكانية للتفكير الذي يهدف إلى تعلّم الخطوط العامّة للعصر التقني الذي بدأ الآن.

شبيغل: لقد تحدثت قبل عامين في حوار مع كاهن بوذي عن »طريقة جديدة في التفكير« وقلت إن هذه الطريقة الجديدة ليست »قي الوقت الراهن ممكنة إلاّ بالنسبة لقلة قليلة من الناس«. هل تريد أن تقول من خلال هذا إن عددا قليلا من الناس وحدهم قادرون أن يمتلكوا بالنسبة لك، الرؤى الممكنة والضرورية؟

هايدغر: »أن يمتلكوا« في المفهوم الأصلي، أي يقدروا بطريقة ما على قول ذلك...

شبيغل: نعم، لكن النّقل، لكي يكون هناك إنجاز، ودائما في هذا الحوار مع البوذي، هذا ما أنت لم توضحه بشكل مقنع...

هايدغر: ليس باستطاعتي أن أوضح ذلك. أنا لا أعرف شيئا عن »التأثير« الذي يمكن أن يحدثه هذا الفكر ويمكن أيضا أن يقود الفكر اليوم صاحبه إلى الصمت، لمنع الفكر من أن يتلاشى ويتبخّر في ظرف عام. ويمكن في حالة أخرى أنه لابدّ من مرور ثلاثمائة سنة حتى يكون له تأثير.

شبيغل: نحن نفهم جيّدا ما تقول. فقط، بما أننا لن نكون في عداد الأحياء بعد ثلاثمائة سنة، لكننا نعيش الآن وهنا، فإن الصمت ممنوع علينا. نحن رجال السياسة أو أنصاف السياسيين، والموظفين، والصحافيين ألخ... علينا أن نتّخذ قرارات من دون توقّف. وعلينا أن نتدبّر أمرنا مع النظام الذي نعيش فيه، وعلينا أن نراقب الباب الضّيق الذي ينفتح على الإصلاح، والأكثر ضيقا على الثورة. نحن نترقّب النجدة من الفلسفة، نجدة غير مباشرة بطبيعة الحال، نجدة تأتي إلينا ملتوية. وها هو الفيلسوف يقول لنا: ليس باستطاعتي مساعدتكم.

هايدغر: لأني بالفعل لا أستطيع ذلك.

شبيغل: وهذا لا يمكن إلاّ أن يحبط من هو ليس فيلسوفا...

هايدغر: لا أستطيع ذلك لأن الأسئلة جدّ صعبة حتى أن هذا يمكن أن يسير في الاتجاه المعاكس لعمل الفكر، وأن يتحوّل إلى شكل من أشكال التصريحات الرّسمية، أو إلى وعظ وإرشاد، أو إلى توزيع لعلامات أخلاقية. ربما نجرأ على أن نقول ما يلي: سرّ الهيمنة الكونية للوجود غير المفكر فيه للتقنية يتطابق مع السّمة المؤقتة وغير الظاهرة للفكر الذي يحاول أن يشرع في البحث عن ما هو غير مفكر فيه.

شبيغل: ألا تجعل نفسك في عداد الذين بإمكانهم أن يشيروا إلى الطريق إذا ما استمع لهم فقط؟

هايدغر: لا أنا لا أعرف أي طريق يقود إلى تغيير بطريقة فورية للوضع الحالي للعالم، حتى لو نحن افترضنا أن هذا التغيير ممكن بالنسبة للناس. لكن يبدو لي أن محاولة التفكير يمكن أن توقظ الإمكانية التي كنت قد تحدثت عنها من قبل، وتوضّحها وتؤكدّها.

شبيغل: هذا جواب واضح- لكن هل بإمكان المفكر، أوهل له الحق في أن يقول: انتظروا قليلا، من الآن وحتى انقضاء ثلاثمائة سنة، يمكن ان تكون لنا فكرة؟

هايدغر: هذا لا يعني بكل بساطة أن ننتظر إلى أن  يتمكّن الإنسان من بلورة فكرة ما بعد ثلاثمائة عام، وإنما يعني أن ننطلق من الخطوط العامة للزمن الراهن، والتي بالكاد تمّ التفكير فيها أو أن نفكر في الزمن الآتي قبل حلوله من دون ادّعاءات تنبؤية. أن نفكر، هذا لا يعني أننا لا نفعل  شيئا. فالفكر هو في حدّ ذاته الفعل في الحوار مع العالم الذي له مفهوم المصير. ويبدو لي أن التّمييز، الذي يعود مصدره إلى الميتافيزيقا، بين النظرية والفعل (PRAXIS)، وتصوّر تنقّل يتمّ بين هذا وذاك، يقطع الطريق على فهم ما أنا أقصده بـ»فكر«. وربما أحيلكم إلى درسين أصدرتهما عام 1954 تحت عنوان:»كيف نحدّد ماهية التفكير؟«. ربما هو أيضا إشارة من زمننا هذا بأن هذا الكتاب الذي تضمّن الدّرسين هو المقروء أقل من كل ما أصدرت من كتب.

شبيغل: لنعد إلى نقطة الإنطلاق. هل من المحتمل أن نرى في القومية -الاشتراكية، من جانب الإنجاز لـ»اللقاء الكوني«، ومن جانب آخر، الاحتجاجات النهائية، الأسوأ، والأقوى والأضعف في نفس الوقت ضدّ لقاء »التقنية في بعدها الكوني« مع إنسان العصور الحديثة؟ ظاهريّا تتحمّل شخصيّا، معارضة، بحيث أن الكثير من الإنتاجات الثانوية لنشاطك لا يمكن أن تفسّر إلاّ على النحو التالي: من خلال أجزاء من كيانك لا تلمس النّواة الفلسفية، أنت تتشبّث بكثير من الأشياء، أنت تعلم كفيلسوف أنها ليست مقنعة، أشياء مثل »وطن« و»تجذّر«. كيف يتوافقان معا، التقنية الكونية والوطن؟

هايدغر: لا أقول هذا. يبدو لي أنكم تنظرون إلى التّقنية كما لو أنها طريقة مطلقة إلى حدّ ما. وأنا لا أرى وضع الإنسان في عالم التقنية الكونية كما لو أنه فريسة لشقاء لا يمكن أن ينقذ نفسه منه. أنا أرى بالأحرى أنّ عمل الفكر هو أن يساعد، في حدوده بطبيعة الحال، على أن يتوصّل الإنسان إلى الدخول بما فيه الكفاية في علاقة مع وجود التّقنية. وقد ذهبت القومية الاشتراكية فعلا  في هذا الاتجاه. غير أن تفكير زعمائها وقادتها ومنظريها كان بائسا وفقيرا بحيث أنه لم يتوصل إلى عقد علاقة بيّنة وواضحة حقا مع ما يحدث اليوم، والذي كان في طريقة إلى أن يتحقّق منذ ثلاثة قرون.

شبيغل: هذه العلاقة البيّنة والواضحةـ هل يمتلكها الأمريكيون اليوم؟

هايدغر: لا يمتلكونها هم أيضا. إنهم لا يزالون مكبّلين بفكرة هي باسم البراغماتية، تسيّر العمليات والاختبارات التقنية، غير أنها في الوقت ذاته تقطع الطريق على التفكير في ما يخصّ التقنية الحديثة. مع ذلك هناك في الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا وهناك، محاولات للتخلص من الفكر البراغماتي والوضعيّ. ومن هو الذي من بيننا يستطيع أن يؤكد أنه ستظهر في روسيا أو في الصين تقاليد قديمة للفكر ستساهم في أن تتيح للإنسان علاقة حرة مع العالم التّقني؟

شبيغل: لكن إذا لم يكن هناك أحد يمتلك هذا، وبما أن الفيلسوف لم يمكنه أن يمنح ذلك...

هايدغر: إلى أيّ حدّ يمكن أن أصل بمحاولة تفكيري، وبأية طريقة سوف تتقبّل في المستقبل، وسوف تتحول إلى أيّ نوع من الثمار، هذه أمور ليس باستطاعتي أن أحسم فيها. محاضرتي التي تعود إلى عام 1957، والتي كتبتها بمناسبة احتفالية يوبيل جامعة فرايبورغ تحت عنوان:»مبدأ الهوية« هي الفرصة الأكثر قربا من الناحية الزمنية، والتي تجرأت فيها على أن أخطو إلى الأمام بضع خطوات مبيّنا إلى أيّ حدّ تنفتح المحاولة التالية أمام فكر يسعي أن يتعلم أين يكمن جوهر التقنية الحديثة: أن يعرف إنسان العصر التقنّي علاقته مع الكلمة التي تتطلبه وتلتمسه، كلمة ليست فقط موهوبة لكي يسمعها، لكنه عليه، أكثر من ذلك، أن يكون له مكان فيها. أن فكري ينهض على علاقة لا مناص منها مع شعر هولدرلين. إن هو لدرلين ليس بالنسبة لي شاعرا عاديا تكون أعماله مثل أعمال آخرين موضوعا لمؤرخي الأدب. إنه بالنسبة لي، الشاعر الذي ينتظر الآلهة، والذي عليه إذن ألاّ يظل مجرّد موضوع للدراسات الهولدريلينية (نسبة لهولدرلين)، سجين تصوّارات التاريخ والأدب.

شبيغل: على ذكر هولدرلين- اسمح لنا بأن نستشهد بك مرة أخرى. في الدرس الذي خصصته لنيتشه، قلت إن »الصراع الشهير بالتنوّع بين ما هو ديونيسيسي (نسبة إلى ديونيسوس) وما هو ابولوني (نسبة إلى أبولون)، الجنون المقدس، والعرض المعتدل، يأوي قانون أسلوب هو القدر التاريخي للشعب الألماني، وعلى هذا القانون أن يجدنا مستعدّين ومهيأين للعثور على الشكل الذي يقابله وينسجم معه. هذا التعارض ليس صيغة لكي تسمح لنا بكل بساطة بوصف الأحداث »الثقافية«. لقد طرح كل من هولدرلين ونيتشه في هذا الصراع سؤالا على الألمان أمام عملهم الذي يهدف إلى العثور على وجودهم في التّاريخ. هل سنفهم هذه الإشارات؟ هناك شيء مؤكد: التاريخ سينتقم منّا إذا نحن لم نفهمه«. نحن لا نعرف العام الذي كتبت فيه هذا. ونحن نعتقد أنه يمكن أن يكون ذلك عام 1935؟

هايدغر: الفقرة التي استشهدتم بها، توجد دونما شك في الدرس الذي ألقيته حول نيتشه:

»إرادة القوة كفن« وذلك بين عامي 1936-1937. لكن من المحتمل أن تكون هذه الجملة قد قيلت في سنوات لاحقة...

شبيغل: حسن. هل بإمكانك أن تعلق على هذه الجملة؟ ذلك أن هذه الجملة تقودنا من المسار العام والشامل إلى المصير الملموس للأمان..

هايدغر: بإمكاني أيضا أن أقول أن ما ورد في الجملة بهذه الطريقة: قناعتي هي أنه فقط انطلاقا من نفس الموقع العالمي حيث ولد العالم التقني الحديث، يمكن أن يُعدّ تحوّلا، وأن هذا التحول لا يمكن أن يحدث بتبنّي بوذيّة الزّان أو أيّ تجارب أخرى حصلت في الشرق. إن تحوّل الفكر بحاجة إلى مساعدة الإرث الأوروبي أو مكتسبه الجديد. أن الفكر لا يتغيّر إلاّ من فكر له نفس المصدر، ونفس الهدف.

شبيغل: في المكان ذاته حيث ولد العالم التقني، هل تعتقد....

هايدغر: إن يتمّ التجاوز بالمعنى الهيغلي (نسبة إلى هيغل) للكلمة، وليس الإبعاد، ولكن بواسطة الإنسان وحده.

شبيغل: وهل تعتقد أن الألمان بصفة خاصة لهم هنا عمل خاصّ؟

هايدغر: نعم، بذلك المعنى، معنى الحوار مع هولدرلين.

شبيغل: وهل تعتقد أن الألمان لهم أهليّة محدّدة لمثل هذا التحوّل؟

هايدغر: أفكّر في الوشيجة التي بداخل اللغة الألمانية مع لغة الإغريق ومع ماضيهم. وهذا ما يؤكده لي الفرنسيون دائما. فعندما يشرع الفرنسيون في التفكير، فإنهم يتكلمون اللغة الألمانية. وهم يؤكدّون أنهم لا يستطيعون ذلك اعتمادا على لغتهم.

شبيغل: هل بهذا تفسّرون التأثير القوي الذي تباشره فلسفتك في البلدان التي تتكلم لغات مشتقة من اللغة اللاتينية، خصوصا  لدى الفرنسيين؟

هايدغر: لأنهم يرون أنه بكل عقلانيتهم الكبيرة، فإنهم لا يتوصّلون إلى أيّ شيء في عالم اليوم، عندما يكون الأمر متعلّقا بفهم هذا الأخير في مصدر وجوده. أن ترجمة الأفكار صعبة وعسيرة مثلما هي صعبة وعسيرة ترجمة القصائد الشعرية. بإمكاننا على أقصى تقدير أن نشرحها. حالما نشرع في الترجمة، يتغيّر كل شيء تغيّرا كاملا.

شبيغل: فكرة لا تبعث على الارتياح أبدا...

هايدغر: الأفضل أن نتعامل مع هذا الشعور، أي عدم الارتياح بجديّة على مجال واسع، وأن نفكر في النهاية في كل المحصّلات والنتائج التي يفضي لها التحوّل الذي طرأ على الفكر الاغريقي عندما وقعت ترجمته إلى لاتينية روما، وهو حدث لا يزال حتى يومنا يمنع عنّا الدنوّ والاقتراب الذي نحن بحاجة إليه لنفكر بوفاء وإخلاص في الكلمات الأساسية والجوهرية للفكر الإغريقي...

شبيغل: نحن نفضّل دائما أن ننطلق من النظرة التفاؤلية، وأن نقول بأن هناك شيئا يمكن أن يبلّغ، وأيضا يترجم، ذلك أنه إذا ما كان لا بدّ أن نتخلّى عن هذا التفاؤل الذي يجعلنا نعتقد أن محتويات الفكر يمكن أن تبلّغ إلى ما وراء حدود اللغة، فإن الإقليمية الضيّقة الأفق هي التي تصبح مهدّدة لنا في هذا الحين.

هايدغر: هل أنتم تسمّون الفكر الإغريقي، لكي نشير إلى الاختلاف مع طريقة التصوّر لدى الامبراطورية الرومانية، »بروفانسياليا«، أي إقليميا ضيّقا؟ الرسائل الإدارية يمكن أن تترجم إلى جميع اللغات. العلوم، أعني بذلك أيضا بالنسبة لنا نحن اليوم علوم الطبيعة، مع الفيزياء الرّياضية كعلم أساسي وجوهري، يمكن أن تترجم إلى جميع لغات العالم، وتحديدا، ليس ترجمة، بل بإمكاني أن أقول أنها نفس اللغة الرياضية التي يتكلم بها الجميع. ونحن نلامس هنا مجالا واسعا، ومن الصعب الإحاطة به...

شبيغل: ربما يكون هذا جزءا من موضوعنا: نحن نعيش الآن، وبإمكاننا أن نقول ذلك دونما مبالغة، أزمة النظام الديمقراطي البرلماني. وهذا نعيشه منذ وقت طويل. ونحن نعيشه هنا في ألمانيا بصفة خاصة، لكنه لا يوجد فقط في ألمانيا. فنحن نجده أيضا في البلدان الكلاسيكية الديمقراطية، أي في بريطانيا وأمريكا. في فرنسا لم نعد نسمّي ذلك أزمة. والآن سؤالنا: هل بإمكاننا أن ننتظر رغم ذلك، من المفكرين، حتى ولو كان ذلك بشكل ثانوي، إشارات لكي يقول لنا أما أن يتمّ تعويض هذا النظام بنظام جديد، وما هي نوعية هذا النظام، أو أن إصلاحا ما يمكن أن يكون ممكنا، وكيف يمكن أن يكون ممكنا؟ وإلاّ، فإننا نظل عند هذا الحدّ الذي يقول بأن الإنسان الذي لم يكن في مدرسة الفلسفة- وهذا هو الحال الطبيعي للذين يمسكون بزمام الأمور (حتى ولو أنهم لا يقررون ماهية هذه الأمور التي يمسكون بزمامها - والذين هم أنفسهم سجناء هذه الأمور) يخطئ إذن في النتائج التي يتوصّل إليها، بل ويحدث انقطاعات مرعبة في أجوبته. إذن: أليس على الفلسفة مع ذلك أن تقبل البحث عن أفكار حول الطريقة التي ينظم بها الرجال الحياة المشتركة بين الناس في هذا العالم الذي جعلوه هم أنفسهم عالما تقنيّا، والذي ربما كان أقوى منهم؟ أليس لنا الحق مع ذلك أن ننتظر من الفلسفة أن تمدّنا بإشارات حول الطريقة التي تعرض بها حياة محتملة، وهل سيلحق بالفيلسوف ضرر ما يتصل بمهنته، حتى لو كان هذا الضرر طفيفا، وبموهبته إذا ما تكلم حول مسائل كهذه؟

هايدغر: إلى أبعد مدى يمكن أن أرى، الفرد ليس باستطاعته بواسطة الفكر أن تكون له نظرة جدّ دقيقة وجدّ صائبة حول العالم في شموليته حدّ أنه يمكن أن يقدم إشارات عملية حول ما الذي يجب عمله والقيام به، خصوصا في مواجهة العمل على العثور قبل كل شيء على قاعدة للفكر ذاته. مثل هذا الأمر كثير على الفكر متى ما تبقّت جديته ورصانته موضع احترام وثقة التراث الكبير، أن يحشر نفسه في ما يتعلق بإعطاء إشارات من هذا الصّنف. ومن أين له الحقّ في ذلك؟ في مجال الفكر، ليس هناك تصريحات يمكن أن تكون دالّة على السّلطة والنّفوذ. المقياس الوحيد الذي يناسب الفكر هو أن يأتي من الشيء ذاته للمفكرّ فيه. ولكن هذا الشيء هو الذي يتوجّب علينا أن نسائله قبل كل شيء. ولكي ندرك هذه الوضعية،  يتحتّم علينا قبل كل شيء أن نكشف عن تلك التي توجد بين الفلسفة والعلوم التي تظهر نجاحاتها العملية والتقنية اليوم، وبشكل متزايد، عقم الفكر في مفهوم الفكر الفلسفي. لهذا السّبب، وفي هذا الموضع الذي وضع فيه الفكر، حتى إزاء عمله ذاته، نحن نعاني ريبة، يغذّيها الوضع القوي الذي تتمتع به العلوم تجاه هذا الفكر الغريب الذي عليه أن يمنع نفسه من أن يعطي جوابا اليوم على الأسئلة العملية المتصلة بمفهوم العالم.

شبيغل: سيادة الأستاذ، في مجال الفكر، ليس هناك تصريحات دالّة على السلطة والنفوذ او هي توحي بذلك. ليس بإمكاننا إذن أن نندهش لأن الفن الحديث يجد صعوبة في الإدلاء بتصريحات من هذا النوع. مع ذلك أنت تصفه بـ»التّخريبي«. الفن الحديث يعتبر نفسه غالبا فنّا تجريبيّا. والأعمال التي تمت إليه بصلة هي محاولات...

هايدغر: أحب أن أتعلم منكم بكلّ طيبة خاطر...

شبيغل«: هي محاولات للخروج من وضع العزلة التي يعيشها الإنسان والفنان، ومن بين هذه المحاولات المائة، هناك محاولة ناجحة بين وقت وآخر...

هايدغر: وهذا هو السؤال الكبير: أين يكْمُنُ الفن؟ وأين مكانه؟

شبيغل: ولكن هنا، أنت تطالب الفن بشيء لا تطالب به حتى الفكر...

هايدغر: أنا لا أطلب شيئا من الفن. أقول فقط أن هناك سؤالا وهو أن نعرف ما هو المكان الذي يحتله الفن.

شبيغل: إذا لم يعرف الفن مكانه، فهل هذا يعني أنه »تخريبي«؟

هايدغر: الغوا هذه الكلمة. لكن أودّ أن أقول بكل وضوح أنني لا أرى ما هو الطريق الذي يشير إليه الفن الحديث، خصوصا في العتمة التي نحن فيها، في ما يخصّ المكان حيث يدرك، أو على الأقل يبحث وهذا ما يجسّد خصوصية الفن.

شبيغل: الفنان أيضا لا يجد التزاما في ما قد تمّ نقله. بإمكانه أن يجد هذا شيئا جميلا وأن يقول أنه بإمكاننا أن نرسم كما هو الحال قبل ستمائة عام، أو قبل ثلاثمائة عام أو حتى قبل ثلاثين عاما.

 أمّا اليوم فإنه لا يستطيع. أو أن الفنان يمكن أن يكون المزيّف العبقري، ونعني بذلك هانس فان ميرغون الذي بإمكانه أن يرسم أفضل من الآخرين. لكن هذا لا يمكن أن يتواصل. وبالتالي فإن النّتيجة هي أن الفنّان، والكاتب، والشاعر، يجدون أنفسهم في نهاية الأمر في نفس موقع المفكر. كم من مرة علينا أن نقول: أغمض عينيك.

هايدغر: إذا ما كان الإطار الذي نختاره لكي نضع في مكانه، كلاّ من الفن، والشعر، والفلسفة هو »الحياة الثقافية«، فإننا نستطيع عندئذ أن نضع موضع سؤال الحياة الثقافية، وأيضا ما تعنيه كلمة »ثقافة«، ذلك أن التأمل في الشيء الذي يطرح سؤالا أو يولّده، يدخل هو أيضا ضمن أعمال الفكر، هذا الفكر الذي ليس باستطاعته حتى أن يفكر إلى نهاية الضيق الذي يوجد فيه. غير أن المشكلة اليوم، وإلى أبعد ما يمكن أن يرى، هي أنه ليس هناك مفكر »كبير« بما يكفي لكي تقود كلمته الفكر فورا، وتحت شكل واضح وجليّ أمام شيئه، وتضعه على طريقه. وبالنسبة لنا نحن الذين نعيش اليوم، الجزء الأكبر الذي علينا أن نفكر فيه هو أكبر من اللزوم، وبالتالي هو أكبر من قدراتنا. ربّما يمكن أن نجهد أنفسنا في عبور كهذا: بناء طرق ضيّقة، لا تذهب إلى بعيد.

شبيغل: سيادة الأستاذ هايدغر، نحن نشكرك على هذا الحوار.

٭ الأستاذ الدكتور غير هارد ريتر ( (Gerhard Ritter كان في هذه الفترة أستاذ كرسيّ التاريخ الحديث في جامعة فرايبورغ. وقد تمّ توقيفه في أوّل نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1944 عقب محاولة اغتيال دبّرت ضد هتلر في ٠٢ يوليو / تموز 1944. ولم يتمّ إطلاق سراحه إلا يوم 25 ابريل /نيسان 1945 من قبل الحلفاء. وقد أصبح غيرهارد ريتر عقب انهيار الرايخ الثالث أستاذا شرفيّا عام 1956. ومات عام 1967.

 الهوامش

١ - هذا »المنشور« المتعلق باليهود، والذي يطالب بمنع دخول اليهود إلى الجامعة، أساتذة وطلاّبا، هو مبادرة من جمعية الطلبة الألمان (DEUTSCHER STUDENT BUND). ونحن نعثر على هذا المنشور، بقليل من الفوارق في كل جامعات الرايخ الثالث خلال الأشهر التي سبقت استيلاء هيتلر على السلطة (30 يناير/ جانفي 1933) وبالخصوص خلال الأشهر التي أعقبت ذلك. ولم يكن هذا المنشور شرعيا، إذا أن أغلب حكومات المقاطعات كانت قد سحبته من جمعية الطلبة الألمان (حيث كان القوميون الاشتراكيون يمثلون الأغلبية المطلقة منذ المؤتمر الوطني للجمعية المذكورة الذي انعقد في صيف 1931 بمدينة »GRAZ« بالنمسا كل تمثيل رسمي تحديدا لأنها (أي جمعية الطلبة الألمان) تنتهك القانون وذلك برفضها قبول طلبة ألمان ضمن أعضائها، وفتحها لباب العضوية أمام الطلبة النمساويين في نفس الوقت. وقد تغيّر الوضع القانوني في 25 ابريل/نيسان 1933 مع صدور القانون »المناهض للفائض في عدد الطلبة في المدارس والجامعات الألمانية«. فمن جهة أعلن أن »جمعية الطلبة الألمان« أنها ممثلة لكل الطلبة الألمان مقصية بذلك كل الجمعيات الأخرى. من جهة أخرى حدّد القانون نسبة الطلبة اليهود الذين يمكن قبولهم في الجامعات قياسا بنسبة اليهود الذين يعيشون في ألمانيا، وهي 5,1٪. وقد تبع هذا القانون بقانون آخر صدر يوم 4 يوليو/تموز 1933، ينظم مصير الأساتذة. وقد سميّ هذا القانون بـ»قانون إعادة تنظيم الوظائف«، والذي امتدّ إلى العاملين في الجامعات، من الأساتذة وغيرهم. ويقصي القانون اليهود والعناصر »المشكك فيها سياسيّا«، وينزع عن هؤلاء حق التدريس مستثنيا فقط أولئك الذين يدرّسون منذ عام 1918.

2- خلال مؤتمرها الذي انعقد عام 1932 في ثكنة عسكريـة بـ»KONI GSBERG« أقرّت جمعية الطلبة الألمان مبدأ تعيين القاادة من قبل الهيئات العليا. وقد أصبح هذا القرار مبدأ عاما في كل الجامعات الألمانية ابتدءا من شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 1933.

3- فريديريك نيومان (1806-1919) قسّ بروتستانتي، نائب في مجلس »فايمار« بعد أن كان عضوا في »الرايشتاغ« عام 1907. وهو مؤلف كتابين هامّين، والسؤال الأساسي الذي طرحه في مجمل دراساته هو التالي: كيف نوحد داخل ألمانيا نفسها بورجوازية وطنية وبروليتاريا أكثر آلية، وبأي »اشتراكية وطنية«.

4- إدوارد سبرانجير (1882-1963)، تلميذ فيلهالم ديلتاي (DILTHY)، انجز أعمالا ودراسات عن غوته وهمبولت. وفي عام 1924 ألف كتابا عن »الفتيان الشيوخ« بيع منه 100.000 نسخة. وفي عام 1933، قدم استقالته من جامعة برلين. غير أن، هذه الاستقالة لم تقبل. وعقب محاولة الإغتيال التي تعرّض لها هيتلريوم 20 يوليو/تموز 1944، تمّ إيقافه وأودع السجن.

5- تسييس هو مطالب به بصفة خاصّة من البيداغوجي ارنست كريك، الذي انتخب في نفس هذا العام، عام 1933، عميدا لجامعة فرانكفورت في نفس الوقت الذي كان مديرا للجريدة القومية الاشتراكية »VOLK IN WERDEN« والتي هاجمت بشدة هايدغر في السنة الموالية. وفي كتاب له حمل عنوان:»NATIONALPOLITISCHE ERZIEHUNG« الذي ظهر عام 1933، دافع كريك عن ضرورة تقسيم الجامعة إلى معاهد مهنية، يكون لكل واحد منها اختصاص محدّد.

6- »PRIVAT DOZENT« هو لقب أستاذ ناقش أطروحته (HABILITIERT) غير أنه لم يصبح بعد أستاذا تدعوه جامعة لكي يكون أستاذ كرسي »خارقا« في البداية، ثم »عاديا« في ما بعد.

7- ألبير ليوشلا غتير ولد عام 1894، وقتل رميا بالرصاص في 26 مايو/أيار عام 1932 من قبل الجيش الفرنسي الذي كان قد احتل »الروهر« آنذاك. وقد اعتبره القوميون الاشتراكيون رمزا من رموزهم الكبيرة رغم أنه لم ينتسب لا من قريب ولا من بعيد لحركتهم.
 
ترجمة: حسونة المصباحي   (كاتب ومترجم من تونس)